Friday, February 9, 2007

حارتى البسيطة..و"الشارع" الكبير


كان ذلك فى نهار يوم الجمعة، 9 فبراير: نهار المفاجأة الرائعة التى دفعتنى إلى التحليق كأننى طائر السعادة والفرح

كان الهواء شديد البرودة عندما استيقظت متأخرة ومتكاسلةً قبيل الظهر، وبدأت روتين حياتى اليومية فى آخر أيام إجازة منتصف العام الدراسى. ولما عاد أبى إلى المنزل فاجأنى ببضع أوراق يحملها بين يديه. ظننت فى البداية أنها أوراق خاصة به، لكننى اكتشفت لاحقاً أنها تتعلق بى شخصياً، إذ وجدت بها مقالة مدهشة تتحدث عن تجربتى الصغيرة فى كتابة روايتى البسيطة: مصر فى حارة

كانت مفاجأة عقدت لساني.. إنها المرة الأولى التى أجد فيها شخصاً آخر غير أبى يهتم بى إلى هذا الحد الكبير، ويشجعنى ويزودنى بالنصائح التى تهدينى إلى تجربة أكثر عمقاً فى عالم الرواية. أخبرنى أبى أنها مكتوبة فى مدونة تدعى "الشارع" بقلم الأستاذ عبد الحق

خفق قلبى بشدة وتسارعت دقاته، وسيطر الفضول على عقلى حين أخذ أبى يقرأ علىّ بصوته الهادىء المحبب إلى النفس ما هو مكتوب فى تلك الأوراق المطبوعة من مدونة "الشارع". ومع كل سطر كنت أكتشف عالماً جديداً كان أبى يحدثنى عنه دائماً بثقةٍ وتفاؤل: الذين يعطون من قلوبهم وأرواحهم ولا ينتظرون المقابل

وجدت فى التدوينة نقداً شاملاً أدهشنى، كما قرأت فيها مجموعة من الملاحظات والتعليقات المهمة التى ستفيدنى فى الكتابة الأدبية وعندما أحاول كتابة أى محاولات إبداعية جديدة فى المستقبل إن شاء الله

تعثرت الكلمات بين شفتى ولم أقدر إلا أن أبتسم وأتأمل الكلمات التى شجعتنى كثيراً و أفادتنى، بل لم أدر ما أفعله. لم تكن الكلمات كافية كي أجيب على تلك الكلمات الراقية، ولم أكن لأستطيع أن أرد بالعرفان المناسب لهذا الجهد الكبير وتلك الأوصاف الرائعة التى أهدانى إياها صاحب مدونة "الشارع" مهما حاولت أن أفعل

الشكر سيظل أقل مما ينبغى والتقدير سيكون دائماً متواضعاً بالمقارنة مع هذه التدوينة الاستثنائية التى منحتنى شعوراً يفوق الوصف والخيال

أنا محظوظة

نعم.. فقد كتب عنى صاحب مدونة "الشارع" مقالاً له طعم خاص ووقع رائع على عقلى وذاكرتى، مثلما كتب لى الدكتور أسامة القفاش من قبل رسائل عبر البريد الإلكترونى نبهتنى إلى أخطاء كنت أقع فيها بحكم تواضع تجربتى وخبرتى فى الكتابة.. كما التقيت مرة الروائى الشاب محمد علاء الدين الذى استفاض فى الكلام عن أسلوب كتابة العمل الأدبى، وكنت أتابع حديثه باهتمام شديد. كذلك وجدت تعليقات مهمة ومشجعة من سامية جاهين وتوتا ورات وشروق وشريف نجيب وعدد كبير آخر من المدونين تجعلنى أحس بأننى أكتسب منهم خبرات شديدة الثراء تضيف إلى رصيدى الكثير

اليوم الجمعة حمل لى شعوراً مختلفاً عما أشعر به كل صباح، خاصةً عندما فتحت مدونة "الشارع" للأستاذ عبد الحق ذات الموضوعات الهادفة التى جذبتنى إلى قراءتها والاطلاع عليها، وأنا أرجو من الله أن ينال باقى فصول قصتى اهتمامه وإعجابه، وأن أكون دوماً عند حسن ظنه، حيث علمت من أبى أنه رجل مثقف ذو خبرة كبيرة ورؤية عميقة. وما زلت أذكر رد فعل أبى عندما علم فى بداية رحلتى مع التدوين أن هذا الكاتب المحترم ترك تعليقاً عندى، إذ قال لى: عبد الحق كتب لك؟ هذا رائع.. أتعرفين قيمة هذا الرجل؟.. ثم أخذ يحكى لى عنه بكل تقدير وإعجاب

ومن يومها وأنا أفرح كلما أرسل لى تعليقاً أو ملاحظة بخصوص روايتى الأولى. وقد اقتنعت شخصياً بثقافته العريضة فى الأدب والسياسة عندما طالعت مدوناته، حيث إنه يكتب موضوعات هادفة بطريقة منظمة وبسيطة، وتأكدت عبر أسلوبه الرصين والسلس أنه يحب ما يكتب ويملك رسالة وأفكاراً جادة يريد توصيلها إلى القراء

أستاذ عبد الحق: أشكر حضرتك شكراً جزيلاً مرة ثانية لاهتمامك بى، كما أشكرك على الشعور الجديد الذى شعرت به عند قراءة ما كتبت من ملاحظات. أرجو ألا تبخل علىّ بتعليقاتك النافعة وأن تخبرنى برأيك وملاحظاتك على فصول قصتى وأسلوب كتابتى

أنا من اليوم أعتبرك صديقاً كبيراً وأستاذاً أتعلم منه كيف أشق طريقى فى عالم الكتابة.. وكم أتمنى من كل قلبى أن أحقق فى المستقبل ما يتفق مع الرؤية المشرقة التى تتوقعها لى، وأن أستحق يوماً ما هذا "السلام المربع" الدافىء الذى منحته لى

الله.. ما أجمل يوم الجمعة

Thursday, February 8, 2007

مصر في حارة: 8

حسين رضوان
" 8"
ساد الظلام الدامس أنحاء الحارة، وبسط الهدوء نفسه على أرجائها بعد يوم آخر من الحركة والجلبة والصياح والعمل المتواصل. نام بعض أهالي الحارة استعداداً لأيام مقبلة من العمل والبحث عن الرزق في دروب الحياة، وسهر فريق آخر بحثاً عن الألفة مع الأصدقاء والأصحاب، لكن الغالبية لزموا بيوتهم بسبب برودة الجو

وحده الهدوء كان سيد الموقف

حتى أصوات الحوارات الثنائية والنقاشات حول شؤون وشجون الحياة كانت تنتقل كالعصافير في تلك الحارة الشعبية الوديعة.. الموسيقى التي تتسلل من شباك أحد الساهرين، والصوت المنبعث من جهاز تليفزيون يعرض فيلماً كلاسيكياً قديماً.. كلها تلاقت في أجواء الحارة، في حين أخذ كل واحد يسبح في عالمه الخاص

أما الهدوء فكان يتولى توزيع تلك الأصوات على البيوت المتراصة بقسمةٍ عادلة.. أصوات قد لا يسمعها الناس في النهار حيث تختلط نداءات الباعة الجائلين ولهو الأطفال ونميم الجارات المتبادل عبر الشرفات الخشبية والمشربيات التي تفوح منها رائحة التاريخ
كان حمدان مستلقياً على سريره، وقد بدأ يغوص في دنياه الصغيرة، عندما سمع نداءً ملؤه اللهفة:
- يا رضوان أفندي .. يا أم حسين ..استيقظا
هذا الصوت الخشن..مألوف.. مُنتظر كأنه نبي.. خفق قلب الصبي، وانتبهت حاسة السمع لديه لتلتقط تفاصيل الصوت للتأكد من هوية صاحبه .. بكل دقة ممكنة، ولم تكن الدقة من عاداته

صوت جعله يتجمد في مكانه, أيقظ أحاسيسه لتتدفق دماؤه في شرايينه كأنها في حالة تأهب واستنفار, فأطل برأسه من النافذة واللهفة تسري في عروقه الساخنة. إنه يأمل بأن يكون ظنه صحيحاً

نظر بعينين يملؤهما الأمل فرآه بوضوح

إنه حسين.. أخوه الغائب منذ سنوات، يقف تحت النافذة..ها هو حسين بقامته القصيرة وبنيته العريضة..ها هي عيناه الذكيتان ووجنتاه المنتفختان، كل شيء مضبوط، فيصيح الفتى منادياً بلهفة:
- حسين؟ حسين أخي؟
ابتسم حسين -فيرى أنها نفس الروح العميقة- وأجاب مداعباً:
- نعم، أنا يا أستاذ حمدان. افتح لي الباب بسرعة، أو نادي على أم حسين أو أبيك، أسرع يا ولد!

يكاد الفتى لا يصدق نفسه بعد ذلك الانتظار الطويل, فيقف لفترة طويلة دون حركة، وعيناه تلتمعان ببريق الفرحة واللهفة على أخيه, فيناديه حسين كأنما يوقظه من حلم:
- نمت يا حمدان ؟!
يقهقه حمدان من قلبه, ثم يركض إلى غرفة والديه النائمين ليوقظهما من عالم السكون إلى دنيا المفاجآت، ثم ذهب يسابق خطاه ليوقظ فهيمة, والابتسامة تعلو وجهه, فيفتح الأب باب العمارة بعباءته البيضاء الهفهافة، وعلى شفتيه ابتسامة عريضة، وقلبه ينبض بالسعادة والأمل.. الصفات التي فقدها -وربما افتقدها- لبضع سنوات مضت

من وسط سحابة دموعها تراه الأم سنية، ثم تتأمل قسمات وجهه التي كانت قد حرمت منها لفترة ظنتها دهراً, فتخال أنها تحلم, لكنه يبدو لها على أي حال مثل رؤيةٍ رائعة تأتيها في منامها.. وهو أيضاً، اشتاق إلى كل تلك الصور والوجوه التي أمامه: دوامات الحنين تصنع فينا كل ما ما يشكل وعينا في لحظات

إنه يشتاق إلى هذا العناق حين ضمته أمه بين ذراعيها الممتلئتين, فينضم إلى أعماق طرية, والدموع تتساقط من عينيها العسليتين. ها هو يعود طفلاً إلى حضن أمه كأنه يتكور ليصبح جنيناً يعود إلى رحم تلك السيدة التي تنظر بدورها إلى السماء الداكنة، وتلهج بالشكر:
- الحمد لله يا رب.. الحمد لله
يضم رضوان أفندي ابنه البكر ويحمد الله ويشكره هو الآخر. تقع عينا حسين على أخته الصغيرة, فتغرورق عيناها بالدموع, لكنها تتحرك من على السجادة ذات النقوش القديمة، وبعد دقيقة تضع يدها اليمنى تحت أنفها الدقيق, وتزغرد تلك الزغرودة التي ترن في أذن كل فرد من أفراد الحارة، ثم ترفع يديها وتهتف من قلبها:
- الحمد لله يا رب العالمين
والزغرودة تتكفل بتحريك الجو الهاديء في الحارة كأنها إعلان غير مدفوع الأجر عن وقوع حادث سعيد، فيتمتم بعض متسائلاً في فضول: "خير إن شاء الله"، في حين يصبح للزغرودة صداها الفوري، فترتفع زغاريد الرد من جنبات الحارة، حتى قبل أن تفهم كثيرات حقيقة ما جرى
يدخل حسين منزله بخطى صغيرة، وعينين تتأملان وترصدان لمسات التغيير بفعل الزمن الذي غاب فيه عن المكان، فتقول له أمه:
- يا حبيبى.. لن نسمح لك أبداً بالخروج من البيت قبل أن نشبع منك ومن الحديث معك ومعرفة أخبارك.. لكن قل لي في البداية ما الذي أخرّك كل تلك المدة الطويلة؟
ينظر حسين إليها لدقيقة وكأنه على وشك أن يقول شيئاً، ثم يهز رأسه ويهمس:
- أنا غاية في السعادة لأني عدت إلى بيتى وأهلي وناسي... والله لم أنس أحداً منكم، ولو ليوم واحد
تشيع البهجة دفئاً خاصاً في أرجاء المنزل، إلى أن أحضرت فهيمة وعاءً فيه ماء ساخن وهي تقول باسمة لدى جلوسها عند قدمي حسين:
- سأغسل قدميك بالماء الساخن المنعش

وما إن شمر حسين عن قدميه ويرفع أطراف بنطاله الرمادي اللون, حتى لاحظ الجميع تغير لون رجلي الشاب العائد واحمرارهما, فتشهق الأم وتتساءل في حنو:
- خير يا ولدي, ماذا حدث لقدميك؟
ضحك حسين على انفعالها, فقال مبتسماً:
- لا شيء يا أمي, لا تجعلي من أتفه سبب مشكلةً ضخمة! ربما التهبت قدماي خلال يومي الطويل إلى أن عدت إليكم . لا تقلقي عليّ بعد اليوم يا أم حسين
ارتسمت على وجه سنية ابتسامة اطمئنان, ثم قالت بهدوءٍ وحنان:
- وما الذي جعلك تغيب عنا يا حبيبي طوال هذه السنوات؟ ولماذا كانت رسائلك قليلة وتأتينا على فترات متباعدة؟

احمر خدا حسين فجأة, فقال والكلمات تتعثر على شفتيه:
- ليس هناك من سبب معيّن, لقد طالت مدة المنحة, ونسيت في غمرة الدراسة ومتطلباتها الوقت والزمن. المهم أن المنحة انتهت وأنني عدت إليكم.. سأستقر معكم إلى الأبد, ولن أسافر مرة ثانية أو أبتعد عنكم إن شاء الله

ابتسمت سنية في رضى وسعادة, وشعرت بأن الدنيا عادت لتمسح عنها دموعها وتغسل قلبها من الأحزان التي سكنت قلبها لسنوات طويلة
لكن السعادة طائر لا يقيم طويلاً ولا يعرف كيف يصنع له عشاً في قلوبنا.. والفرحة تفهم فقط لغة الترحال كأنها لا تحب الاستقرار في مكانٍ ما

السعادة؟
إنها استراحةٌ قصيرة وسط عذابات كثيرة

Thursday, January 11, 2007

مصر في حارة: 7







سلوى مقار
" 7 "



هو لا يتوقف عن الغناء و الطرب على أرصفة الحارة الضيقة. يشبع حاجاته واحتياجاته من الطرب والغناء.. يعلو صوته المجلجل المتميز, فيسمعه جميع أهالي الحارة بآذان منصتة وصاغية وربما يلتفون حوله... يغني ويطرب عن الحب والكراهية والظلم والعشق والخداع, فيكسب بعض المال، قبل أن يقفل عائداً إلى منزله الذي يقع في حارة مجاورة لحارة الشرف

نعم, إن هذا هو عمله, يؤدي بإتقان الأغنيات والأدوار والمقامات التي لا تنسى من التراث الغنائي على الأرصفة الخالية, ويتحول في لحظات التجلي إلى إذاعة خاصة لهؤلاء البسطاء الذين يلحون عليه كي يؤدي أغنية تعلقت بذاكرتهم وربما لامست قلوبهم، فيتسجيب في رضى وسماحة.. قبل أن يضع عدد من المتجمهرين حوله بعض ما تجود به أنفسهم من مال في الصندوق الصغير الذي زينه برسومات وصور له ولقب خلعه على نفسه: سلطان الطرب

يجلس أبوه العجوز على كرسي خشبي بجواره, حيث لا يكف عن مطالعة الجرائد ومتابعة الأحداث المنشورة كأنه يبحث عن خبرٍ ما ينتظره.. لكن أذنيه دائماً مع الابن بصوته الرخيم كأنه رغيف ساخن به قطعة حلاوة.. فتسمع الأب يقول بإعجاب "الله" كلما أطربه صوت ابنه الشجي

وعلى مقربة منهما تتبادل سنية الحديث مع سعدية عبر نوافذ ذات المشربيات التي تنفتح وقت اللزوم على عالم الحارة, فتبادر سنية بالقول لصديقتها:
- لاحظي يا سعدية تلك النظرة الحزينة التى تشع من الابن, وأبيه صموئيل مقار!
ضحكت سعدية ملء فمها حتى بانت أسنانها، وقالت وهي تأخذ رشفةً من قهوتها الحارة:

- ماذا ألاحظ يا أم حسين؟ صموئيل مقار وابنه ناجي مجنونان للغاية...آه و الله. لم أسمع أبداً عن شخص يعمل في الشارع مطرباً. من يسمح لنفسه أن يغني ويطرب في منتصف الشوارع؟ أي جنون هذا؟ لست أتصور شخصاً يكسب المال بهذا العمل.. ثم إنها ليست وظيفة.. وهي أيضاً عمل غير مستقر.. يوم فلوس.. ويوم لا

- والله عندك حق, لا أحد يتعامل مع الأب وابنه, لكن هناك من يحب أن يسمع صوت الابن, بدليل أنه يكسب المال من تلك الوظيفة

كانت سنية محقةً في رأيها.. هناك بالفعل من يحب ويعشق صوت الابن ويسمعه يومياً وهناك من يمنحه بعض المال لذوقه في اختيار وأداء الأغنيات.. كانت على حق أيضاً عند قولها إنه ليس هناك الكثير من أهل الحارة ممن يتعاملون معه خارج نطاق الغناء.. وكان أبوه, صموئيل مقار, أباً أرمل له ولفتاة صغيرة, تماثل فهيمة في العمر أو أصغر منها بقليل تدعى سلوى. لم يكن أخوها ناجي ولا أبوها صموئيل يسمحان لها بالنزول إلى شوارع الحارة المزدحمة كثيراً, وكانا يطلبان منها أن تلهو مع جيرانها في فناء المنزل القديم.. ربما لأنهما كان يخشيان من ألسنة اهل الحارة ويريان أنها إذ نزلت أو حتى لمست أرض الحارة, سيكون هناك العديد من الأشخاص الجاهزين لجرح مشاعرها والاستهزاء من عمل أخيها، في مجتمع ينظر إلى الغناء في الشوارع باستهجان ويعتبره في النهاية نوعاً من التسول

وذات يوم أخذت سلوى تبكي وتلح كي تنزل إلى الشارع لمدة صباح واحد, تلعب وتلهو كجميع أبناء الحارة, فوافق الأب صموئيل بعد تردد كبير وطويل.. ركضت الصغيرة على الفور بسعادة حتى رأت بعينيها الجميلتين ذلك الشارع الضيق.. لحظتها شعرت بالهواء النقي يداعب وجهها ويلامس جسدها الغض ويعبث بشعرها الكستنائي القصير. فجأة لمحت فتاة وصبياً صغيراً, فراودها إحساس أقرب إلى اليقين: إن اللعب معهما سيكون شائقاً ومسلياً

اقتربت منهما ببطء وقالت برقة:
- مساء الخير
- مساء النور, من أنت؟
- أنا سلوى, وأنتما ؟
قال الفتى:
- أنا حمدان .. وتلك أختي فهيمة

نعم, إنهما فهيمة وحمدان اللذان اندمجا معها بسرعة كأن ثلاثتهم أصدقاء العمر..وسرعان ما اتخذ الشقيقان منها صديقة, لعبت وركضت لتسابق الريح وسط ضحكاتها الطفولية, ووجداها تملك من الطاقة والحيوية ما أضفى عليها جمالاً أخاذاً.. فقال لها حمدان:
- غريبة يا سلوى, كيف لم نر وجهك من قبل. أعتقد أنك لا تلعبين هنا كثيرًا, لكن أنت ابنة مَن في الحارة؟

خفق قلب سلوى وترددت, ثم قالت في ضيق اختلط باضطرابها:
- ابنة الجزار أو النجار, أو حتى العفريت الأزرق, ماذ يهم؟ لا يهم ابنة مَن.. المهم أن اسمي سلوى

ابتسم حمدان بود وبراءة. وبعد فترة صمت قصيرة دس يده في جيبه وأخرج منها كنزه الكبير: قطعة حلوى كان قد اشتراها في الصباح..منحها بود إلى صديقته الجديدة التي أخذتها وهي تشعر بالفرح كأنه منحها ثروة ضخمة..قبل أن يقول حمدان:
- عندك حق يا سلوى. والآن, هيا لنجد لعبة حلوة نلعبها معاً, لنغني سوياً, وسنرى من صوته الأجمل

وافقت سلوى على اقتراح الغناء, ووجدته لعبة مسلية فأخذت تصدح بأغنية "أوعى تكلمني, بابا جاي ورايا"

صوتها الذي ينساب كنهرٍ متدفق أدهش الطفلين الآخرين..فقالت فهيمة بأسلوبها المتكبر:
- صوتك جميل يا سلوى يا بنت الذي لا نعرفه, لكن صوتي أنا الأحلى
وافق حمدان على ما قالته شقيقته بشأن صوت سلوى:
- نعم, صوتك عجيب.. كأنك تغنين باستمرار

ثم قال فجأة:
- عندنا في الحي رجل اسمه ناجى مقار, أو ناجى صموئيل مقار ... صوته رائع, أحب أن أسمع صوته, لكن هناك من قال إنه متسول, يكسب ماله من الغناء في الشوارع وتسول النقود بهذه الطريقة

ارتبكت وغضبت سلوى من الحديث عن أخيها الوحيد, وكادت أن تغير دفة الموضوع ولكنها وجدت نفسها تخوض معركة لم تكن مستعدة لها

فقد اندفعت فهيمة, وعلا صوتها الحاد وهي تهز رأسها في ضيق قائلة:
- لا تتكلم في سيرته, إنه مجنون
- لا.. ليس مجنوناً

عبارة وجدت سلوى نفسها تقولها بصوت مرتفع.. تعجبت فهيمة وقالت ببطء مع احتفاظها بأسلوبها المتهكم:
- كيف عرفت يا ست سلوى, إن شاء الله؟

بركان من الغضب انفجر فجأة في صدر سلوى, فصاحت قائلة وهي تحاول أن تداري عينيها عن الشقيقين:
- إنه ليس مجنوناً, هذا ما أعرفه.. فقط هو رجل فقير ومسكين, وهذا هو العمل الذي يجيده لكسب الرزق.. وهو لم يجد وظيفة أفضل ليعمل بها

ضحكت فهيمة وقالت بصوت جاف:
- من جميع هذه الأعمال في الدنيا, لا يجد وظيفة واحدة أفضل ؟
احتدت سلوى وكذلك الأمر بالنسبة إلى فهيمة التي قالت بطريقة مستنكرة لا تخلو من استهزاء:
- ما حكايتك يا سلوى هانم؟ لا نعرف اسم أبيك , ولا نعرف حتى اسم والدتك, وهذه هي أول مرة نلعب فيها معك. ثم نجدك تدافعين عن الرجل الذي لا يتعامل معه أحد
- أنا أفهم جيدًا من الرجل الصالح, ومن الذي ليس صالحاً, هذا كل ما في الأمر

اختنق صوت سلوى حتى كادت أن تطفر الدموع من عينيها لكنها تتوقف وتمسح بدايات دمعتها الصغيرة, فتأخذ فهيمة يد أخيها الصغير, وتقول دون النظر إليها :

- لقد نسينا يا حمدان, لكن حذرنا أبانا من التكلم مع الغرباء

نظر حمدان إلى سلوى نظرة مليئة بالشفقة والحزن, في حين كانت فهيمة تسحبه من يده, فنادت عليهما سلوى لكن فهيمة تجاهلت نداءات الفتاة وزجرت حمدان حتى لا يرد عليها

انهار عالم سلوى فجأة فوجدت نفسها غارقة في البكاء الذي يمزق القلب..أخفت دموعها الساخنة عن نظرها كل الوجوه والصور التي تزخر بها حارة الشرف

لحظتها أقسمت بينها وبين نفسها بألا تلعب مع أحد في هذا الشارع مرةً ثانية


لحظتها انزوت تلك الفتاة الصغيرة وجرت أقدامها إلى منزلها الذي قررت أن يكون جزيرتها الوحيدة بعيداً عن محيط من البشر الذين اختاروا القسوة وانحازوا إلى الإساءة كأنها متعتهم المفضلة

Tuesday, January 2, 2007

مصر في حارة: 6


أم سعاد
" 6 "


اليوم يمرق بسرعة السهم , الساعة أصبحت كالدقيقة , الدقيقة أصبحت كاللحظة, واللحظة لا تنفع



سنية لا يسعفها الوقت ولا الصحة التي هدتها السنوات وغياب الابن حسين لتنتهي من أعمالها بسرعة السهم -مثلما يفعل اليوم- من طهي للطعام وتنظيف للمنزل وتلميع للأثاث المتواضع فتقرر أن تحضر خادمة. كانت أم سعاد أول من خطرت على ذهنها وأول من قررت إحضارها, فهي من أطيب نساء الحارة فضلاً عن مظاهر العافية البادية عليها مما يجعلها قادرة على القيام بأعباء تنظيف المنازل
تربي أم سعاد ثلاث بنات جميلات في سن الخامسة والتاسعة والحادية عشرة, شيماء وفاطمة وسعاد...أما الأم, فهي امرأة تقاوم مصاعب الفقر , بتسامحها مع الحياة ونبل قلبها, وطباعها الهادئة. تحتفظ ملامح وجهها بآثار التعب والشقاء ...وهي وإن كانت لا تهوى أعمال المنزل, فإنها تتحمل متاعب أداء هذه المهام الشاقة نيابةً عن الآخرين للحصول على المال الذي يراوغها فلا تحصل عليه في دروب الحياة بسهولة

لمست سنية اختلافاً كبيراً في المجهود الذي تبذله منذ أن استعانت بأم سعاد لتنظيف منزلها..فها هي أم سعاد تطهو وتنظف وتعد للست سنية القهوة السادة التي تحبها في أوقات معينة من اليوم, فتحتسيها, وتقول لها بلطف بالغ:

- سلمت يداك يا أم سعاد!
- الله يخليك يا ست سنية!
- وكيف حال بناتك؟

تضحك أم سعاد وتقول وهي تحني رأسها:
- بخير يا ست أم حسين, يسلمن عليك وعلى فهيمة وحمدان..زرت البارحة أختي دلال, فطمعت شيماء ابنتي في عروسة ابنتها سميرة آخر عنقود أختي. أخذت شيماء تبكي وتصرخ بشقاوة الأطفال قائلةً :"أريد عروسة مثل التي تلعب بها سميرة ابنة خالتي". لا أعرف أنا ماذا أفعل. هي طفلة عنيدة ونفسها في العروسة

رق قلب أم سعاد وطفرت من عينيها دمعتان، وهي تحدث نفسها عن كم المعاناة التي تمر بها أم سعاد وبناتها بسبب الفقر الذي يحاصرهم كجزيرة وسط محيط صاخب من المطالب المادية

لا تعرف سنية بم تجيب..تمر بينهما فترة صمت كأنها دهر.. ثم تقول في حنوٍ:
- ما شاء الله, ربنا يحميها لك, بناتك مثل الشربات

ما إن فرغت أم سعاد من عملها في المنزل, حتى شكرتها سنية.. وقبل أن تودعها، ضمتها إلى ذراعيها الطريتين, وقالت لها:
- اعلمي يا أم سعاد أنني لن أبخل عليك بأى شيء . اعتبري نفسك أختي.. هل تفهمينني؟
تهز أم سعاد رأسها في حياء بعد أن غمرتها سنية بهذا العطف الذي لامس قلبها

تمضي جمعة, فتأتي أم سعاد لتنظيف المنزل, لتجد في انتظارها مفاجأة أثلجت صدرها.. فقد قدمت لها سنية دمية صغيرة كانت تمتلكها روحية ابنتها المتوفاة في صغرها، وكانت الأم المكلومة تحتفظ بها على سبيل الذكرى في خزانة غرفتها

تكاد أم سعاد تطير من السعادة بعد أن تحقق حلم ابنتها شيماء فتطبع قبلة على جبهة سنية لكنها تعجز عن التعبير بالكلمات، فتبادرها سنية بالقول:
- لا تقولي شيئاً.. أنت في منزلة أختي.. قلت لك ذلك.. أعطي هذه العروسة الصغيرة لشيماء. عديني يا أم سعاد بأن تقولي لي إذا ما احتجت شيئاً.. لا تنسي.. نحن أختان

تلتمع عينا أم سعاد في شكرٍ وامتنان, ثم تنفجر باكيةً بحرارةٍ وتقول:

- الله يخليك يا أم حسين, لا أعرف ماذا أقول.. لا أعرف ماذا أفعل.. شكرًا يا غالية. ربنا يبارك لك في أبنائك ويعيد إليك حسين سالماً غانماً

تبتسم سنية, وتمسح دموع أم سعاد الغزيرة التي سالت من عينيها اللتين عرفتا أصنافاً من الشقاء.. دموع انهمرت بغزارة حتى إن بعضها وجد طريقه إلى خديها قبل أن يسقط على سجادة غرفة الجلوس بالمنزل

كم عرفت تلك السجادة ذات النقوش الشرقية القديمة من دموع في هذا المنزل.. وكانت شاهداً على أحزان سنية وأبنائها
لكنها كانت أيضاً شاهد عيان على لحظات فرح اختلسها أبطال عاشوا في حارة الشرف وسط دوامة الحياة التي لا تنتهي

لم تكن مجرد دمية تلك التي منحتها سنية لشيماء.. كانت قطعة من قلب وذكريات السيدة الحانية بعد وفاة ابنتها روحية.. لكنها وجدت في منحها لطفلة أخرى إحياء لذكرى الابنة الراحلة

كانت الدمية أكثر من مجرد لعبة.. كانت طوق نجاة لعائلة تبحث عن السعادة في عيني طفلة في الخامسة.. بل بدت الدمية حبل إنقاذ لأم سعاد بعد أن شعرت بلحظة انكسار وعجز عن تلبية مطالب ابنتها الصغرى

لكن الفرج يأتي أحياناً.. على شكل دمية

Saturday, December 23, 2006

مصر في حارة: 5





سرور الدمياطي
" 5 "
هو الرجل الأول في الحارة: بائع فول

لا أحد يستغني عنه فهو الممول الرئيسي لمائدة الإفطار وربما العشاء لأهالي الحارة.. ما يقدمه لهم ليس مجرد وجبة رئيسية بثمن يمكن أن تتحمله جيوب كثيرين منهم، بل إنها أيضاً وجبة شهية وشعبية ترتبط في الأذهان بالشبع والستر
لكنه يظل إنساناًً رقيق الحال.. فلا هو من كبار الحارة مكانةً ولا مالاً.. ولذا فإن مجده يستمر بضع سويعات هي سحابة النهار.. بعدها يأفل مجده وينخفض صوته الذي ينادي به مع ساعات الصباح الباكر "فووووووووووول.. البليلة"
فإذا حلت ساعة الظهيرة انسحب سرور الدمياطي إلى عالمه المتواضع وفي عينيه نظرة حياء تمتزج بالرضى كأن الدنيا كلها لا تستحق اهتمامه. نظرة لا تخطئها العين وهو يراجع ما تبقى من قدر الفول الذي ظل طوال النهار يغترف منه في أطباق زبائنه أو يعبئه لزبائن محتملين في أكياس

ملكوته الخاص هو أكياس الفول والشطة والطعمية وقليل من المخللات وحبات البصل والليمون، إضافة إلى حساء البليلة الذي له زبائنه.. عالم هاديء ووديع بلا منغصات

وسرور الدمياطي هو ذاك الفتى اليتيم المسكين الذي يقف على أعتاب السابعة عشرة, وهو مسئول عن أخته سماح التي لم تتجاوز سن العاشرة.. نشأ وترعرع في حارة الشرف وتعلم من أهلها معنى الشهامة وحسن الخلق..توفي أبوه في حادث سير أليم، وأصابت الصدمة والحسرة الأم فلم تلبث سوى شهور قلائل حتى فاضت روحها إلى بارئها

وبالرغم من أنه لم ينل قسطاً كافياً من التعليم حيث لم يكمل دراسته الابتدائية، فإن نباهته لم تكن خافية على أحد، إذ رأى كثيرون أنه سريع التعلم فضلاً عن أخلاقه الرفيعة.. غير أن البعض أخذ عليه عدم المبالاة التي خالطت سلوكياته ومواقفه.. لكن الفتى ذا البشرة السمراء الداكنة والشعر القصير المجعد أحب الحياة حباً جماً لسبب غامض. تركيبة بشرية لفتت انظار أهل الحارة ممن رأوا في سرور حالة فريدة لا تشبه سواها

وربما أبدى البعض استغرابهم لحرص سرور على مطالعة نسخ قديمة من الصحف كلما وقع نظره عليها.. كما حار البعض في تفسير سبب اقتطاعه جزءاً من قوته اليومي المحدود ليتردد بين فترة وأخرى على بائع كتب مستعملة في آخر الحارة كان يبيع روايات وأعمالاً لكبار الكتاب وترجمات لأدباء أجانب بأسعار زهيدة

وذات يوم من أيام الصيف الحار, مضى حمدان رضوان حاملاً كرته الصغيرة وهو يصفر مردداً لحنأ سمعه في المذياع ذلك الصباح، قبل أن يتوقف عند سرور كي يشتري منه بعض الفول الطازج, فبادره بالقول:
- مساء الخير
- مساء النور يا حمدان !
- كيف عرفت اسمي ؟
هز سرور كتفيه قائلاً:
- أنعم الله علي بالسمع يا حمدان, ولكننى نادرًا ما أتكلم
ثم أردف قائلاً وابتسامة خفيفة تعلو وجهه:
- سمعت عدداً من أصدقائك ينادونك بهذا الاسم.
ابتسم حمدان في تعجب, وقبل أن يأخذ منه كيس الفول فاجأه بسؤال:
- لم لا يوجد لديك أصدقاء في الحارة ؟
ابتسم سرور بشفقة على حاله قائلاً :
- هل طلب أحد أن يتعرف علي وأنا رفضت؟.. ربما يكون السبب في ظروف عملي التي تتطلب النوم باكراً حتى أستيقظ ساعة الفجر وأبدأ يومي الشاق.. عموماً ناس الحارة هم أهلي حتى وإن كنت لا أخالطهم.. على فكرة أنا أحب القراءة جداً ولي أيضاً محاولات للكتابة. لا أدري هل يمكن اعتبار ما أكتبه شيئاً يستحق الاهتمام أم لا ولكنني أرتاح عندما أكتب بضعة سطور أو صفحات كلما وجدت وقتاً لذلك

قال حمدان وهو يتظاهر بالاهتمام :
- عال, ماذا تكتب؟
- عن جميع مجالات الحياة... ربما تكون قصصاً أو خواطر.. لكنها على أي حال مجرد محاولات
- أنا أعرف القراءة قليلاً, فما رأيك أن تطلعني على بعض الصفحات التي تكتبها

سبب آخر طرأ على ذهن حمدان فنطق به على الفور:
- عندي وقت فراغ، ويمكن أن أجد في هذه الأوراق بعض التسلية والفائدة

قال سرور كأنه قد عثر على بارقة أمل بعد عناء طويل:
- كان حلمي طول عمري أن يهتم بقصصي أي شخص حتى ولو كان صغيراً مثلك!

ابتسم حمدان وهو يحاول أن يبدو نابغاً في نبرة صوته:
- من دواعي سروري أن أقرأ ما تكتبه, وأنا متأكد أن الكلام الذي تكتبه سيكون إن شاء الله غاية في الجمال!

هم حمدان بالذهاب والابتسامة مطبوعة على شفتيه، لكن سرور استطرد كأنه تذكر شيئاً:
- انتظر .. أنت ما زلت لا تعرف اسمي، ونحن الآن صديقان
قال حمدان وكأنه يلوم نفسه على غبائه:
- معك حق!
- اسمي سرور .. سرور الدمياطي
- عاشت الأسامي يا سي سرور

ودع حمدان صديقه الجديد, بعد أن اتفق معه على أن يأخذ منه في اليوم التالي بعض كتاباته الأدبية. وعندما أحضر له سرور تلك الأوراق التي بدت كأنها مشروعات قصص وروايات وجد حمدان أنها ثقيلة الوزن حتى إنه حملها بصعوبة، مما أثار استغراب كل من رضوان أفندي وزوجته سنية. فقد لفت انتباههما هذا الكم الكبير من الأوراق التي يتأبطها حمدان, وأبداً ما كان يقرأ الصبي
استوقفه الأب قبل أن يدخل غرفته وسأله بصوته الأجش:
- من أين حصلت على كل تلك الأوراق ؟
قال حمدان ببساطة:
- هي قصص وروايات من صديق لي في الحارة لكنه يكبرني ببضعة أعوام
- طالما أنك فالح في القراءة, لماذا فشلت في مواصلة تعليمك؟
- المشكلة أنه ليس هناك من يقرأ روايات صاحبي, وهو محبط قليلاً.. قلت أشجعه!
- وما اسم صديقك هذا؟

تردد حمدان وهو يقف مشدوهاً كأنه يبحث عن أي شيء يخرجه من تلك الورطة .. إذ لم يكن يريد أن يعرف أبوه أنه تكلم مع أحد الغرباء أو مع فتى يبيع الفول, وفي الوقت نفسه لم يرد أن يكذب.. ظل صامتاً شارد الذهن للحظات حتى هزه ارتفاع صوت والده رضوان وهو يصيح في وجهه مستنكراً:
- لا تعرف اسم صديقك؟
- لا .. أقصد أنني أعرف.. اسمه سرور
- سرور ؟ ابن من سرور هذا؟
- أبوه متوفى, ولم يذكر سيرة أبيه.. تعارفنا أمس على بعضنا البعض!
- نعم .. لكن ما اسمه الكامل؟
- سرور الدمياطي

انفعل رضوان أفندي وقفز من مجلسه كمن لسعته نار، قبل أن يسأل حمدان في نبرة قاسية للتأكد:
- بائع الفول؟ هذا الولد الصعلوك؟

قال حمدان في صوت خافت بريء:
- ليس صعلوكاً .. بل هو فتى مسكين والله

اتجه رضوان أفندي بكل جسده نحو الفتى الصغير الغارق في محيط من الخوف.. ولطمه على خده بكل قوته .. ناظرًا إليه في حدة, فشهقت سنية ثم استعطفت زوجها وناشدته بصوت متهدج:
- وحياة أولياء الله الصالحين.. أستحلفك برحمة السيدة والدتك.. لا تضرب الولد الذي حيلتنا!

انقلب رضوان بكل غضبه على زوجته، صارخاً:
- تلك آخر تربيتك لهم .. دللت أبناءك حتى وصلوا إلى مرحلة الطيش, كل هذا بسبب تربيتك الغبية

خفضت سنية رأسها في مسكنة وقالت معاتبةً :
- سامحك الله يا سي رضوان..أنا تربيتي غبية؟
- لا تتدخلي مرة ثانية بيني وبين أولادي. بدءاً من اليوم سأربيهم بالطريقة الصحيحة وسأحاسب كل من يخطيء فيهم وأعاقبه بشدة

أسرعت سنية للإمساك بكلمات الزوج كأنها عثرت بين حروفها على حبل الإنقاذ من نار غضبه:
- يمكنك أن تربيهم بالطريقة التي تعجبك, لكن وحياتي عندك اهدأ ولا تضرب الولد, الله يخليك يا سي رضوان!

نظر رضوان إلى زوجته بامتعاض ثم وجه كلامه إلى حمدان وهو يضغط على مخارج الحروف في غيظ:
- سبق أن حذرتك من التكلم مع الغرباء.. صح! قلت لك كم مرة أن تسمع كل كلمة أقولها؟
- آسف يا بابا, أعدك بأن هذا لن يتكرر أبداً!

هدأت أعصاب رضوان قليلاً فتنهد، ثم قال بنبرة آمرة:
- ومن الغد اذهب لتعيد تلك الأوراق التافهة إلى صديقك الصعلوك

أجبرت حدة الأب حمدان على أن يوافق على إعادة تلك الأوراق إلى صاحبها, وهو يتجنب النظر في عينيه خجلاً, لكنه همس في خفر:
- آسف يا سرور .. أبي لا يرضى عن الصداقة التي بيني وبينك.. يظن أنك صعلوك تتظاهر بالطيبة, لكن لا يهم إن شاء الله سيكون لك قراء كثيرون غيري مهتمون بقراءة قصصك ورواياتك وستصبح يوماً ما مشهوراً.. ولتعتبرني صديقك .. لكن هذا سيكون بيننا فقط ولن يعرف بالأمر أحد

ارتسمت على وجه سرور ابتسامة وديعة وبدا قادراً على تفهم أسباب غضب الأب رضوان.. ثم ودع الفتى وهو يشعر بأنه فقد مشروع صديق وخسر أيضاً إحساساً خاطفاً بالسعادة لاهتمام الصغير بأوراقه وكتاباته

وضع أوراقه على القطعة الخشبية الصغيرة التي كانت تستقر إلى جانبه ويستخدمها في عمله.. وتشاغل بأشياء أخرى حتى يحتوي شعوراً بالحزن كاد يغزو جوانحه

لم يكن سرور يدري أن الصدفة ستقوده إلى مفاجآت تنصفه من معاناته مع الفقر وقلة ذات اليد.. فالصدفة فقط هي التي جمعته على غير موعد مع فاروق محمد, مدير تحرير الصحيفة الأدبية التي تهتم بنشر الأشعار والروايات

كانت تلك المرة الأولى التي يأتي فيها فاروق لتناول طبق من الفول الشهي من عند سرور مع صديق له في العمل
كان فاروق رجلاً ثرياً, يملك فيلا كبيرة في شارع السرايات وكان كبير السن, نبيل القلب, ذكياً.. عرف طريقه إلى الصحافة منذ تخرجه في الجامعة..وشق طريقه حتى أصبح من أعلام الصحافة الأدبية في القاهرة. صوره المنتشرة في الصحف كانت بطاقته وهويته التي عرفه بها الكثيرون.. ولذا التمعت عينا سرور عندما وجد فاروق وصديقه -بعد عناء السهر طوال الليل لحين إتمام طبع الجريدة- يقرران خوض تجربة تناول طبقين شهيين من الفول الطازج من هذا البائع الشاب.. وبعد أن أعد للرجلين طبقين خاصين من الفول بالليمون والزيت الحار والملح النقي والفلفل الحار، غالب سرور تردده فاقترب من الرجل الكبير وسأله بابتسامة مهذبة:
- يشرفني أن يأكل صحفي كبير مثلك من الفول الذي أبيعه.. لا تؤاخذني لكنني عرفتك من صورك المنشورة في الصحف
ابتسم فاروق, وقال بتواضع:
- تشرفنا..وأنت؟
- اسمي سرور .. سرور الدمياطي.. أرجو أن يكون مذاق الفول قد أعجبك
- الله يكرمك يا أخ سرور
أحب فاروق محمد مذاق الطبق الشهي، ووعد سرور بأن يزوره بين فترة وأخرى.. وفي المرة التالية، كان سرور أكثر استعداداً لأن يحدث الصحفي المعروف عن هوايته فقال له في تردد:
- أستاذ فاروق, الحقيقة أنني أكتب أحياناً قصصاً أو روايات عن موضوعات كثيرة في الحياة وكنت أتمنى وأرجو أن ينشرها لي أحد، لكن..

ابتسم فاروق وبدا من نظرته الخبيرة المجربة أنه استوعب ما يريد سرور قوله، فمد يده قائلاً:
- أعطها لي الآن لأقرأها, وسأعود بعد أسبوع إن شاء الله كي أخبرك برأيي فيها
- أشكرك.. أشكرك يا أستاذنا.. الله يخليك
- لكننى سأخبرك برأيي بمنتهى الصراحة
- طبعاً طبعاً..هذا شرف لي، وأنا أحب أن أعرف رأيك بصراحة!

أعطى سرور أوراقه لفاروق, وهو يرجو الله أن تنال تلك الكتابات إعجاب هذا الصحفي الكبير

أسبوع كامل من القلق عاشه سرور في انتظار ظهور الصحفي المرموق ومعرفة رأيه في الأوراق التي أعطاها له.. لعبت الظنون برأس الفتى وبدأ اليأس يتسرب إلى نفسه بعد أن اعتقد أن الرجل لم يجد في تلك المحاولات الأدبية شيئاً يذكر أو مشروع موهبة واعدة

ما أصعب القلق الذي يلتهم الروح

لكن سرور ظل يذكر طويلاً صباح يوم ثلاثاء كان مشغولاً فيه بالبيع لزبائنه عندما وجد فاروق قادماً باتجاهه وعلى وجهه ابتسامة عريضة وفي يده نسخة من الجريدة التي يعمل مديراً لتحريرها..ناوله الجريدة وأشار عليه بأن يطالع الصفحة السابعة منها، ففعل سرور ليجد أمامه أجمل مفاجأة في حياته. كان اسمه يزين نصاً أدبياً منشوراً

طار سرور من السعادة وشعر بامتنان شديد للرجل الذي منحه الثقة والأمل في أن يكون يوماً ما من كتاب الرواية.. نشر سرور الخبر في الحارة وسارع إلى شراء بعض النسخ من هذا العدد على سبيل التذكار ولإطلاع من يعرفهم على هذا النجاح غير المنتظر الذي حققه.. نجاح أسعد بعض أهل الحارة الطيبين، لكنه أغاظ فريقاً آخر ممن رأوا أن بائع الفول لا يستحق مثل هذه اللحظات من الفرح والأمل في غدٍ أفضل. وكان ممن اغتاظوا رضوان أفندي، في حين أخفى حمدان الصغير عن والده ابتهاجه بأن صديقه السري نجح في كسر حصار الفقر وصار الآن مشهوراً

منذ ذلك اليوم بدأ سرور مرحلة جديدة في حياته، إذ بدأت كتاباته الأدبية تجد طريقها إلى النشر حتى صار حديث الناس..وسرعان ما بدأت مرحلة تحوله من بائع فول بسيط إلى روائي محترم تسعى دور النشر إلى التعاقد معه لنشر أعماله.. لكنه لم ينس يوماً معروف فاروق محمد وكان يقول له ممازحاً:

- حضرتك صانع السعادة بالنسبة للعبد لله

وكان الرجل يرد عليه ضاحكاً في تواضع:
- ليتني كنت صاحب السعادة.. عموماً أنت اسمك سرور، وجميل أن يكون لك من اسمك نصيب

ولأن فاروق لم يكن قد رزقه الله بأبناء فإنه كان يعتبر سرور ابنه الوحيد.. ووقف إلى جانبه في رحلة إثبات وجوده الأدبي ليحقق سرور نجاحاً باهراً..ويتمكن من إلحاق أخته سماح بإحدى المدارس الراقية قبل أن تتفوق هي الأخرى وتتمكن من الالتحاق بكلية الصيدلة..حلم سماح الذي أرادت تحقيقه بعد أن استقرت في أعماقها رغبة نبيلة في أن تكون سبباً في شفاء الآخرين من آلامهم ومعاناتهم.. ربما لتجنبهم التعرض لما عانته هي من فقرٍ وعوزٍ في طفولتها

لم ينس سرور حارة الشرف.. كانت جزءاً من تكوينه وأيامه التي حفرت عميقاً في ذاكرته ووعيه.. وكان كلما زار الحارة, يلقى استقبالاً حافلاً من أهلها الذين كانوا يرحبون به ويتجمعون حوله، بل إن بعضهم كان يقول بفخر:
- "سرور بك" ابن حارة أصيل

أو يقولون على سبيل المجاملة وربما النفاق:
- كنا نتوقع له مستقبلاً رائعاً

غريب أمر الناس..عندما تصيب أحدهم الشهرة ويرزق بالمال الوفير يتحول إلى شخص خارق ونجم ساطع في نظرهم تحيط به هالة ضخمة.. لكنهم لا يهتمون كثيراً بمن يجعل رأسماله الكرامة والشرف

دنيا

Friday, December 8, 2006

مصر في حارة: 4



مهجة عبد الودود
" 4 "




عبد الودود الأسواني أرمل في منتصف الأربعينيات. صعيدي وجدود جدوده من قلب الصعيد..أسوان, اشتهر بسذاجة تمتزج بحدة في الطباع.. ثمرة زواجه الوحيدة من"عديلة" الشامية -زوجته المتوفاة- هي صبية اسمها مهجة

كم شهدت "حارة الشرف" لعب مهجة فوق أسطح المباني العتيقة وسط الصبيان و البنات وبجوار أقنان الدجاج وبيوت البط والأرانب! كم لمح أبناء الحارة رزانتها وهدوءها ورقة ملامحها المصرية الشامية.. حيث اكتسبت بشرتها الداكنة ونبرتها الساذجة من أبيها عبد الودود أفندي, في حين وهبتها والدتها عديلة عينيها الشاميتين وقوامها الملفوف وشعرها الفاحم الذي ينسدل كأنه ستائر من الأحلام

ومهجة هي روح تلك الحارة بشقاوتها وبراءتها.. تلعب وتركض وتجلجل مثل بقية الأطفال, لم يكن هناك من يكرهها أبداً في حين أحبها الجميع. طفلة .. نعم طفلة يغلفها الذوق ومسحة من الحياء. لكن رياح الصبا هبت لتقتلع منها تلك الشقاوة ومعها طفولتها البريئة .. فقد هدها مرض مفاجيء, أخذ ينال من صحتها وعافيتها.. فإذا بها تقع من طولها فجأة.. تتعب ويسري في أنحاء جسدها إرهاق غامض مصحوب بارتفاع في درجة الحرارة, ثم بعد لحظة تنقلب حرارتها إلى برودة تلسعها وتدفعها إلى البكاء


لاحظ من حولها أنها تسمع أصوات الأشخاص لكنها لا تسمع ما يقال منهم. يتمالك والدها نفسه فيحثها على الصبر في مواجهة المرض الغامض, ويقول لرضوان أفندي في قهوة الحارة:
- إنها لا تنطق جملة على بعضها الآن. لا أعرف ماذا أفعل يا أبا حسين
فينصحه رضوان وهو يتصنع الحكمة الزائفة, قائلاً :
- إذا كانت في هذه الحالة الخطيرة, فيجب أن تذهب بها إلى قصر العيني. يجب أن تعالج ابنتك المسكينة إلا إذا كانت تتدلل عليك
يضج عرق عبد الودود الصعيدي, متمتماً:
- فتاة مفعوصة تذهب إلى قصر العيني؟ ربما هي تتدلل لأنها وحيدة, لكننى لن أسمح بأن تذهب إلى قصر العيني, وستتحسن حالتها بإذن الله. والله لقد أخذت المفعوصة هذا اللين وذلك الدلال من والدتها.. الله يرحمها و يغفر لها

ويمر أسبوع تلو الآخر, وصحة مهجة لا تتحسن بل تزداد سوءاً. لم تعد تقوى على اللعب مع فهيمة وحمدان فى تلك الأسابيع التي أصبحت بالنسبة لها مليئة بالملل والفراغ

كانت مهجة تقف في منتصف سطح من أسطح الحارة لتؤدي دور المدرسة التي تحذر تلاميذها من عدم الصمت وتتوعدهم وهي تلوح برقة بعصا صغيرة..كانت تلعب وتنشر البهجة في أي مكان تذهب إليه.. كانت, وكانت, وكانت

عرف الناس عنها تلك الرقة والعاطفة الجياشة.. فكان إذا مرض أي من أطفال الحارة, ترجو والدها وتلح عليه حتى يزور والد الطفل المريض ويطمئن عليه أو عليها. ولكن عندما مرضت هي, منع الأهالي أبناءهم وبناتهم من زيارتها, كما منعوا أنفسهم من زيارة منزل أسرتها خشية انتقال "عدوى" المرض الغامض منها إليهم

كان منظرها مثيراً للشفقة وهي مستلقية على السرير وحدها في حين اكتسى وجهها الصغير بلون أصفر .. وخانتها ساقاها الواهنتان فلم تعد قادرة على الوقوف على قدميها.. كلما حاولت سقطت, وكانت كثيرة السقوط

تبكي بغزارة وفي ضعف, لكن أحداً لم يكن يستمع إلى شكواها وأنينها.. فالأب ركب رأسه وصمم على موقفه السلبي, تاركاً ابنته وسط غابة من الألم وهو يظن أنها مرحلة دلال أو أن مرضها عابر سرعان ما ستشفى منه في غضون أيام أو حتى أسابيع قلائل, ويصمم على أنها لن تذهب إلى مستشفى قصر العيني مشدداً على أنه يجب مواجهة هذه الميوعة بشيء من الحزم

و ذات يوم عندما عاد عبد الودود من العمل, ليجدها مطروحة على ظهرها على أرض الشقة الخالية من السجاد, تئن وتصرخ بصوت ضعيف. فوجيء الأب و سرت في جسده قشعريرة الخوف على ابنته لأول مرة, فهرول إليها, وقال بلهجته الأسوانية:
- ماذا جرى يا مهجة ؟ انطقي!
دمعت عيناها, وقالت بصوت أقرب إلى الهمس:
- أشعر بأنني سأموت يا أبي, أنا خائفة ..سأموت, ساعدني الله يخليك

تتساقط حبات العرق من جبهة عبد الودود خوفا وحزناً على ابنته الوحيدة .. فيمسك بيدها ويضغط عليها قائلاً:
- سأحضر بعض نساء الحارة للمساعدة. النساء سيعرفن بالتأكيد سبب تعبك وأنا واثق أنهن سيقدمن لك شيئاً يعالج وجعك..تماسكي وشدي حيلك

يصيح عبد الودود على النساء وأزواجهن الجدعان في منتصف الحارة فيلبي نداءه كثيرون ومن بينهم الست سنية, التي تأتي حاملة حساءً من شوربة الدجاج, كما حمل البعض مشروبات ساخنة وجاء فريق آخر ببعض الأعشاب الطبيعية والوصفات الشعبية, وأخذت إحدى نساء الحارة تتحسس جبهة مهجة, وسرعان ما صرخت في عبد الودود بفزع:
- ابنتك ساخنة مثل النار. يجب أن تذهب بها إلى قصر العيني حالاً ..مهجة ستضيع منك.. الحقها
لكن الرجل يهز رأسه ما بين الرفض والتردد ويقول لها:
- لا يمكن يا أم سامح , لا تضخموا الموضوع إلى هذا الحد !
- لا تضخيم ولا حاجة.. تحسس جبهتها وستعرف أنني لا أبالغ
يداري عبد الودود وجهه الأسمر, وفجأة يقول للناس من حوله:
- شكراً يا جماعة.. ربنا يحفظكم. والله قمتم بالواجب وزيادة
يودع عبد الودود من جاءوا إليه للمساعدة, ويشكرهم بحرارة, ثم يقول لابنته بعد رحيلهم:
- شوفي.. أنا عارف إنك تمارسين الدلع على والدك.. لكن كفاك دلعاً, إنه مجرد مرض بسيط وستشفين منه إن شاء الله قريباً
تنظر إليه مهجة نظرة ملؤها العتاب, ثم تغلق عينيها من شدة التعب والألم، فتنام من دون رد
تمر جمعتان غير أن حالة مهجة تظل على ما هي عليه من الضعف. وفي ظهيرة أول يوم في الجمعة الثالثة, يعود عبد الودود من صلاة الجمعة بجلبابه الأبيض فيلقي السلام على ابنته ويتوقع منها رد السلام, لكن يجدها مطروحة على فراشها دون حركة .. جامدة كتمثالٍ بلا روح
نظرة عينيها الحزينة تغيب وسط أرضية الحجرة..وقد اكتست شفتاها الرقيقتان بلون أبيض سحابي, وامتد شعرها الكثيف كموج البحر, في حين كان العرق يحاصر جبهتها العالية. لم تكن الفتاة تبتسم كعادتها ولا حتى تتنفس..وغاب أي انفعال عن قسمات وجهها

ينظر إليها عبد الودود نظرة يمتزج فيها الإحساس بالذنب مع الشعور بالشفقة, يستلقي بجانبها, وقلبه يكاد ينفطر بسبب إحساسه بالتعاسة والألم للحالة التي وصلت إليها ابنته
ثم تلدغه الحقيقة كأنها عقرب.. لقد ماتت زهرته الصغيرة

أمسك يديها الصغيرتين الباردتين وأخذ يقبلهما هامساً لنفسه :
- قضيت على ابنتي ... قضيت على ابنتي
وما هي إلا لحظات حتى انتشر الخبر المؤلم في الحارة. بكى الأطفال بغزارة, وحزن أهالي الحارة من مختلف الأعمار على رحيل تلك الصبية الرقيقة المحبوبة التي عشقها كل من رآها لخفة ظلها وبراءتها .. وتحسرت النساء على موت مهجة ابنة الخامسة عشرة وهن يقلن في المجالس الخاصة بهن: كانت كالبدر .. كنت أتمناها عروساً لابني..كان ينتظرها مستقبل مشرق..يا لسوء حظها, و يا لسوء حظ أبيها
لم يعرف أحد فى تلك الفترة أن ما أصيبت به كانت الملاريا

عاش أبوها بعد رحيلها عن الحياة وحيداً دون زوجةٍ أو ذريةٍ تؤنس وحدته.. فكان يتجنب الجلوس مع أصدقائه القدامى في المقاهي أو العمل ..وبعد أن كان الصديق الوحيد لرضوان أفندي المنياوي.. دفع الأخير ثمن عزلة صديقه المقرب.. فأصبح هو الآخر وحيداً يجالس خياله الضخم في أحد أركان مقهى الحارة

Friday, December 1, 2006

مصر في حارة: 3





طاهر سيف الدين
" 3 "
يوم مشرق من تلك الأيام الهانئة التي يتسرب فيها إليك شعور طاغٍ بالدفء والصفاء .. يوم تسطع فيه الشمس الصافية, ولا ينقطع هديل الحمام وزقزقة العصافير... كعادة حمدان التى لا تنقطع انشغل باللعب فى فناء الحارة وسط الزهور والأشجار المورقة, فها هو حمدان يقطف بعض أوراق الأشجار لتقليد أمه عند عمل الملوخية مع فهيمة, ثم ينظر أمامه... فيرى شابًا في أوائل العشرينات.. فارع العود, وسيم الوجه, مليح القسمات, ملون العينين, أسنانه صافية بيضاء كلون اللؤلؤء, بذلته أنيقة, وحذاؤه لامع, يقترب من حمدان فيشم الفتى رائحة الصابون والورود العطرة المنعشة ... ابتسم له الصغير , فرد عليه الشاب بابتسامة رقيقة, ثم قال بصوت ودود:
- أظنك حمدان. لقد كبرت كثيرًا يا بطل
- أتعرفني ؟ وجهك عجيب وليس مألوفاً في الحارة !
- نعم أعرفك, ثم إنني أتيت هنا البارحة وأول شيء فكرت فيه هو أن آتي لكي أسلم على حسين أخيك
- حسين... حسين سافر إلى انجلترا. لا نعرف أي خبر عنه, ومرت ثلاث سنوات تقريباً على عدم عودته عن بلاد الغربة. أنا ونينة في انتظاره! و لكن كيف عرفتني أنا وحسين ؟ من أنت وما اسمك ؟
- كنت زميل حسين في الكتاب والمدرسة الثانوية , واسمي طاهر سيف الدين
- عاشت الأسامي يا طاهر بك...
يضحك طاهر ويقول برفق :
- طاهر بك ؟ أقول لك زميل أخيك وتقول لي أنت طاهر بك ؟ اسمي طاهر فقط يا عزيزي حمدان !
يبتسم حمدان ويقرر ببراءةٍ أنه سيتخذ منذ هذه اللحظة من طاهر صديقًا حميمًا كما اتخذه حسين, ثم يقول :
- والآن يا ... يا طاهر, هيا لكى تتغدى عندنا .. نينة انتهت من طبخ بازيلاء وأرز ودجاجة بحالها, ولا نحب أن يأتينا ضيف فلا نستقبله ولا نرحب به
لم يرد طاهر رفض تلك" العزومة " الشهية إلى بيت صديقه القديم, فوافق وذهبا هو وحمدان, وأخذا يتحدثان عن أحوالهما في الدنيا, كما سأله طاهر العديد من الأسئلة الفضولية عن تعليمه, ففوجيء بشدة عندما علم أن حمدان لم ينل نصيباً يذكر من التعليم ولم يكن كأخيه النجيب حسين

كما عرف حمدان بدوره أن طاهر في السنة الأخيرة من دراسته في كلية الشرطة بعد أن توسط له عمه الثري للانضمام إليه!

تسمع الست سنية طرق الباب المتواصل, فتفتح و الابتسامة الحنونة تعلو وجهها المرح, تتعجب لرؤية طاهر و لكنها تعرفه على الفور وترحب به ويتغدى عندهم ... الغريب أن رضوان أفندي بنفسه رحب به خير ترحيب وأخذ يتحدث معه بودٍ كأنه أب يتحدث مع ابنه. تسأله الست سنية عن أحوال والدته أم طاهر, فيطل الحزن من عينيه وتعرف الست سنية على الفور بأنها توفيت, فتحزن لذلك أشد الحزن, وتسأله إنّ كان يعيش الآن بمفرده, حيث إنها تعرف ان أباه قد توفي منذ طفولته, فيقول :
- أبدًا, أعيش مع زكريا القناوي, من قنا لكنه يدرس في جامعة القاهرة , فيستقر معى وقد استأجرنا شقة ما شاء الله إيجار هنا فى حارة الشرف, ويستقر معي أيضًا محمود دياب, يتيم الأب والأم مثلي وكان معي أنا وحسين فى المدرسة وكان يكبرنا ببضعة أعوام, إذا كنت تتذكرينه!
بالطبع لم تتذكره الست سنية, لكنها قالت بدماثة وابتسامة ساذجة :
- صُدف يا طاهر, إن الله جمعكم ثانيةً ...
فيبدأ الجميع بالحديث عن الصدف ... ثم يتحدث طاهر ورضوان أفندى عن الثورة وسعد زغلول والمظاهرات. ويتغير ويتنوع الحديث من موضوع إلى آخر، إلى أن تأتي فهيمة من عند الست سعدية بعد أن قضت معها معظم ساعات الصباح طويل، فينبهر طاهر لمرآها وتجذبه إليها بعذوبتها وجمالها الآسر
أما هي فقد سألت والدتها على انفراد:
- من هذا يا نينة ؟
- زميل حسين أيام المدرسة
- و ماذا يفعل هنا ؟ حسين سافر منذ ثلاث سنوات, فماذا يريد منا ؟ لا تنقصنا مشكلات ومتاعب!
- نحن نستضيفه و نرحب به يا فهيمة , ثم أن المتاعب لا تأتى إلا من ناحية أبيك.. ووالدك سي رضوان رحب به خير ترحيب
تبدي فهيمة تبرمها وضيقها المعتادين، ثم تغلق باب الغرفة لتنال قسطاً من الراحة بعد نهار كامل مع الست سعدية, ولا يشغل ذهنها شىء إلا النوم و الراحة

أما طاهر..فلم يكن يشغل باله ساعتها سوى تلك الفتاة التي دخلت عالمه من دون استئذان