Saturday, July 11, 2009

مصر في حارة: 20





أحوال
" 19 "


تماماً مثل ندى الصباح، تتحول القطرة إلى دمعة، أو تستقر كأنها ماء الخلود
وما بين هذا وذاك، تولد التحولات الكبرى في حياة الوردة
إنها الأحوال، التي لا تستقر على حال
الأكيد أن الأحوال تغيرت وتنوعت، بعد أن تعاقبت السنوات على زيجة طاهر وفهيمة وانفصال حسين وليلى
حتى حمدان الصغير لم يعد كذلك
فقد اتضحت عليه علامات الرجولة بعد أن ودع ثوب براءة الطفولة واللعب في أرجاء الحارة الضيقة، التي كانت بالنسبة له عالماً واسعاً لا حدود له
وسرعان ما التحق بالعمل مع أبيه رضوان أفندي في تجارة الحرير بعد أن أصاب الوهن أباه واشتعل رأسه شيباً. وتدريجياً، ترك رضوان أعباء العمل لحمدان الذي اشتد عوده وأتقن كثيراً من أسرار هذه التجارة
وأخذت آثار السنين تزحف على وجه وجسد الست سنية، لكن شيئاً واحداً بقي من دون تغيير، إذ احتفظت بطيبة قلبها وحنانها الذي يغمر كل من حولها
وعاش كل من طاهر وزوجته فهيمة في سعادة واستقرار، وتوَّجا حبهما وزيجتهما الهانئة بإنجاب ثلاثة أبناء: بنتين وولد، هم بترتيب الميلاد فريدة وحازم وصفاء. احتفظت فهيمة بقوة الشخصية وبدت صاحبة سطوة وحظوة عند زوجها الذي كان يحبها إلى حد كبير فلا يرد لها طلباً. كان يعتبرها أميرته وسميرته وحبيبته، وكانت كثيرات من الأهل والمعارف يتحدثن في مجالسهن الخاصة بخليط من الغيرة والدهشة عن سيطرة فهيمة على شؤون العائلة الصغيرة، لكنهن كُن في أعماقهن يغبطن هذه الفتاة الجميلة التي وفقها الله إلى زوج محب..ومطيع

أما حسين فقد دارت الحياة به دورة كاملة، إلى أن تزوج من بهيرة، أخت ليلى موسى، فأنجبت منه فتاتين، هما شريفة و لي لي
وكأن الله أراد أن يعوضه عن أحزان زيجته الأولى والمرارة التي كادت تعصف به ويذبل بسببها..إذ عاش مع بهيرة أياماً لها طعم الهناء ورائحة النعناع
أيام أسعد بالتأكيد وأكثر بهجة من حياته مع ليلى، التي حظيت بعد طلاقها من حسين بحياة جديدة مع رجلٍ ألماني تعرفت عليه في أحد أسفارها، فتزوجا واستقر بهما الأمر في مدينة فرانكفورت الألمانية
اشترى حسين بهيرة شقة واسعة في حي المعادي الراقي، أما شقته القديمة في حي العجوزة، فقد تحولت إلى عيادة يلتقي فيها مرضاه كي يشخص حالتهم الطبية ويقدم لهم العلاج الشافي والدواء المناسب
ولأن الحياة تشبه قطار المفاجآت، فقد أصاب الحزن كثيرين بعد أن وافى الأجل المحتوم الست سعدية بعد معاناة مع روماتيزم القلب، مثلما توفي زوجها الراحل بسبب المرض نفسه. رحلت المرأة التي كانت تمنح الحارة بعضاً من طيب أنفاسها وتبث في قلوب أهلها التفاؤل والأمل
ولم ينس من أحبوها رعاية قططها التي تركتها وراءها، وفاء لذكرى امرأة لم تبخل عليهم يوماً بالمحبة والنصح
ولم يحظ عبدالودود الأسواني أبداً بحياة سعيدة بعد الرحيل المغلف بلون المأساة لابنته مهجة. صحيح أن العديد من أصدقائه حاولوا إقناعه بالخروج من قوقعة أحزانه، بل إن منهم من اقترح عليه الزواج مرة ثانية، لكنه طوى أحزانه في قلبه و عاش على ذكرى ابنته
ولعل أسعد من عاش من جميع سكان الحارة، في شارع السرايات في فيلا كبيرة، كان سرور الدمياطي الذي كانت ثروته تزيد يوماً بعد يوم بفضل نجاحه وتفوقه فى شؤون حياته. بدوره، كان الرجل سخياً وعطوفاً على الفقراء و المحتاجين، وخصص جزءاً من الصدقات الجارية لرعاية الأيتام و أطفال الشوارع، قائلاً لمن حوله برؤيةٍ ثاقبة وحكيمة، إن هؤلاء الضحايا قد تنتهي بهم النقمة على المجتمع بأن يتحولوا إلى مجرمين، إن لم يجدوا يداً حانية تربت على أكتافهم وتمسح على رؤوسهم وتوفر لهم سبل العيش الكريم
وظلت أم سعاد على حالها من ضيق ذات اليد، لكنها أصبحت أسعد حالاً، حيث كانت سنية تلبي لها كثيراً من مطالب حياتها الصغيرة، حتى تزوج أبناؤها واستقروا في أعمالهم وتحسنت ظروفهم وأحوالهم
ناجي مقار ، هو الوحيد الذي لم يتغير حاله مطلقاً.. ظل يغني بصوته العذب وغنائه الشجي فينفحه الناس بعض المال ويستحسن المارة صوته فيتابعونه بإعجاب، فيما يجلس أبوه على مقعد غير بعيد، وهو يقرأ الصحف وابتسامة نطفو على شفتيه
تزوجت نجوى كريم من مهندس ناجح يكبرها ببضع سنوات، اتسم بحسن الخلق، إذ حرص على رعايتها هي وأبنائها من الزيجة السابقة، وبدا أكثر نبلاً من أحمد عبده زوجها السابق!
إنها الأيام تدور، والأحداث تمر، والشخصيات تتغير
لكن حارتنا التي تشبه أهلها ظلت مروحة الأشواق التي يهفو إليها أهلها، مهما ابتعدوا عنها
حارة لها في القلوب بصمة لا تُمحى

تمت

Friday, March 6, 2009

مصر في حارة: 19



فهيمة رضوان

" 19 "


كان الطقس الصحو يؤذن بمولد فصل الربيع

أشعة الشمس حانية مثل يد أمٍ تهز مهد وليدها حتى ينام، ونسمات منعشة تلامس الوجوه كأنها قبلة يطبعها عاشق أربكه الخجل، وأشجار تهتز كأنها تستمع إلى لحن مؤثر

استيقظت فهيمة باكراً قبل والدتها سنية وشقيقها حمدان, في حين كان الأب رضوان قد انصرف إلى العمل كعادته مع خيوط الصباح الأولى
وبعد نحو ساعة من استيقاظ الأم، فاتحتها فهيمة في أمرٍ قائلةً:
- نينة, كنت أريد أن أزور حسين اليوم .. لابد أنه يشعر بالوحدة. إنه يجلس بين أربعة جدران, كأنه معزول عن العالم
- اذهبي يا حبيبتي, وقولي له إني كنت أود أن أزوره معك، لكني أشعر بألم في ظهري و لا أستطيع أن أتحرك بشكل جيد
- شفاك الله يا أمي.. سأخرج الآن حتى أعود في وقت مناسب
- انتبهي إلى نفسك جيداً يا ابنتي
بدت فهيمة كأنها تخرج من قوقعتها التي انعزلت فيها لفترة طويلة..خروج كأنه محاولة لتنفس هواء الشارع، بعد أن حبست نفسها طويلاً في المنزل
طوال الرحلة في سيارة الأجرة التي استقلتها حتى منزل أخيها في العجوزة، كانت فهيمة تبتسم كلما داعبت نسمات الهواء خصلات شعرها الذي أخذ يتمرد ويتطاير في نعومة في كل اتجاه

كم يفتن الهواء فتاة تضحك في حضور زهرة شبابها

نظر سائق سيارة الأجرة إليها بطرف عينيه عبر المرآة الأمامية، فوجدها تفتح نافذتها أكثر ليجد الهواء طريقه إلى شعرها وخديها، قبل أن يهز رأسه متعجباً، وهو الذي اعتاد على رؤية هذا التصرف من كثير من زبائنه
لدى وصولها إلى شقة حسين، ضغطت بإصبعها على جرس الباب ضغطة متقطعة، حتى فتح لها أخوها ورحب بها بابتسامة مسكينة وقد بدا عليه الحزن. نظرت إليه فوجدته مطرقاً إلى الأرض وقد شق جبينه خط الألم. بدت شعيرات ذقنه وقد نبتت، كأنه أهمل حلاقة ذقنه منذ أيام
أخذت فهيمة تتحدث إليه عن أشياء وتفاصيل صغيرة، تلخص فيها أحوال الحارة والأهل والجيران.. تقفز من موضوع إلى آخر مثل سنجاب في غابة. ولوهلةٍ، أحست أنها تكرر نفسها وأن الجمل التي تجري على لسانها قيلت من قبل، حتى بدأ الملل يتسرب إلى نفسها. كانت تحاول بدأبٍ شديد مداواة جراح أخيها لكن الجرح بدا عميقاً ويحتاج إلى وقت طويل حتى يندمل. وما إن أخذت تفكر في العودة إلى بيتها حتى سمعت طرقات الباب، كان مصدرها طاهر. استأذنت فهيمة في الانصراف، لتعود إلى منزل العائلة
بعد دقائق من انصرافها، قال طاهر لحسين بلهجة مترددة:
- حسين, كنت أريد أن أفاتحك في موضوع
- خير, إن شاء الله!
- تعرف أني في الثامنة والعشرين الآن,ومنذ فترة بدأت أشعر بأن الوقت قد حان كي أستقر، فأتزوج و أبني لي عائلة.
- إذاً؟
- الحقيقة, لقد فكرت أول ما فكرت في أختك
- فهيمة؟
ضحك طاهر قائلاً:
- ألديك أي أخت أخرى؟
- والله أنت شاب طيب ومناسب, ولكن يجب أن نأخذ رأيها أولاً. إن الدنيا تمشي هكذا الآن
- خذ وقتك .. ولكن ما رأيك أنت؟ هل أنت موافق؟
- طبعاً, فلن نجد خيراً منك لكي يكون زوجاً لأختي
ابتسم طاهر وقد ملأه السرور, فأخذ يشكر حسين المرة تلو الأخرى و كأنه حقق له أمنية حياته, في حين أخذ حسين يستمهله حتى تقول فهيمة رأيها..وربما دارت في ذهن حسين في تلك اللحظة صور متداخلة عن شخصية أخته التي تتعالى في غطرسة على كل من يتقدم لطلب يدها للزواج
في صباح اليوم التالي, وكان يوم جمعة, كانت السماء الصافية تبعث على الارتياح واعتدال المزاج. قصد حسين منزل العائلة حتى يفاتح فهيمة والأبوين في موضوع طاهر. وبكلمات بطيئة ونبرة هادئة، أخذ حسين يحدث أبويه في حضور فهيمة عن طلب صديقه طاهر. وحين طلب رأيها بدت فهيمة صارمة وحادة كعادتها, فسألته قائلة:
- طاهر شاب ممتاز .. لكنه ليس فتى أحلامي
- يا فهيمة، طاهر مهذب ومحترم وسيكون له شأنٌ كبير في المستقبل.. وظيفته جيدة وهو لا يخلو من وسامة. إنه شخص عصامي بنى نفسه بنفسه على الرغم من كونه يتيم الأبوين
وبعد نقاش مطول، لان موقف الفتاة قليلاً، فعادت لتقول:
- عموماً، أنا أثق في أنكم تريدون لي كل ما هو جيد.. وسأقبل في النهاية برأي ومشورة أبي
ارتسمت ابتسامة واسعة على وجه رضوان, وقال بحماسٍ ظاهر:
- شخصياً، ليس عندي مانع.. أنا موافق. على الأقل نحن نعرف أخلاق وشخصية هذا الشاب, فهو محترم ومهذب , ولديه عملٌ مناسب ودخلٌ مادي جيد. المهم أنتِ.. ما رأيك أنت يا فهيمة؟
نظرت فهيمة إلى أمها سنية, فقالت الأخيرة بحنانها الذي لا تتخلى عنه:
- ليتني أفرح بك مع شاب مثل الورد, كطاهر

حاولت فهيمة أن تخفي طيف ابتسامة على وجهها قبل أن تقول:
- إذاً، رأيي مثل رأي أبي وأمي
ابتسم حسين, ثم قال ببهجة كان يفتقدها منذ مدة طويلة :
- على بركة الله
أطلقت سنية زغرودة أيقظت فضول نساء الحارة, اللاتي سارعن إلى الاستفسار والسؤال عن النبأ السعيد، فلما عرفنه تبادلن التهاني مع سنية وشاركنّها الفرحة بإطلاق مزيد من الزغاريد

وما هي إلا أشهر حتى زفت فهيمة إلى طاهر, في حفل جمع بين البساطة والأناقة معاً. تحدث أهل الحارة طويلاً عن حفل الزفاف, وعن جمال فهيمة التي تألقت في ثوبها الواسع الأبيض الأنيق, وهي إلى جوار عريسها الوسيم طاهر


سكن الزوجان في شقة أنيقة في منطقة معروفة بأشجارها الوارفة الظلال، كأنها تلقي بظلالها على سكان الحي

Friday, January 23, 2009

مصر في حارة: 18







بهيرة موسى

"18"


كانت المصادفة، المصادفة فقط هي التي جمعت بينه وبين بهيرة موسى -أخت ليلى- التي استقرت في مصر ولم تسافر مع باقي أفراد عائلتها

حدث ذلك حين خرج لشراء الحاجيات البسيطة له من السوق، بعد نحو شهرٍ من سفر ليلى. وما إن رأته بهيرة حتى ارتبك جسدها الصغير وارتعبت عيناها عندما لمحت حسين ينظر إليها في غضب وضيق. تكومت في لحظةٍ كأنها جنين، ثم أخذت تبحث بعينيها عن مخرج من هذا الموقف، قبل أن تتسارع خطاها لتتخلص من مواجهة لا تريدها مع حسين

غير أن حسين لم يدعها وشأنها بل تسارعت خطاه هو الآخر، ثم هتف حينما لحق بها:

- بهيرة، بهيرة.. أنا لا أصدق نفسي

- حسين!

- نعم، حسين. أريد أن أعرف إلى أين سافرت ليلى! قولي لي..أرجوك
- أنا لا أعلم، لا أعلم

- لا تعلمين؟ كيف هذا وأنت أختها وكاتمة أسرارها! لا بد أنك تعرفين كل شيء، أين هي؟ أرجوك أخبريني

نظرت إليه بهيرة نظرة شفقة صادقة، وكادت تطفر من عينيها الدموع، لكنها تمالكت نفسها ووضعت كلتا يديها على فمها، هامسة في ضعفٍ:

- لا أستطيع أن أقول، لا أستطيع

- وما الذي يمنعك؟ لقد أخذت ليلى ابني، لينهار عالمي فجأة. أتوسل إليك

-لا أستطيع. أرجوك، لا تحرجني، فهي أختي. أرجو أن تسامحني

دمعت عينا حسين وقال وصوته يكاد يختنق:

- هذا ظلم .. حرام عليك وعليها.. تخيلي نفسك في موقفي العصيب
ردت وهي تغالب دموعها:

- أنا أيضاً أتعذب. أشعر بوخز الضمير

تمتم حسين وكأنما يتحدث إلى نفسه:

- لِمَ؟

- لأنها تريد أن تحطم قلبك وأن تثأر لنفسها منك
- لكني لا أريد منها أي شيء سوى أولادي
كفكفت بهيرة الدموع التي تسيل على وجنتيها، وقالت وهي تصطنع القوة:

- آسفة يا حسين

بدا أن كل حبال الأمل التي يتعلق بها حسين تنتهي إلى يد بهيرة، فبادرها بلهجة أقرب إلى الاستعطاف:

- اسمعيني يا بهيرة، أنا متأكد أنك أنبل من ليلى ألف مرة. أرجوك، تخيلي لو أن قطعة منك ضاعت فجأة

شخصت بهيرة بعينيها إلى السماء حتى لا تنهار في نوبة بكاء، لكنها همست في تأثر وهي تشعر بغصةٍ في حلقها:

- أنا وعدتها يا حسين بألا أبوح لك بشيء في حال رأيتك يوماً ما. لقد وعدتها، ولا بد أن أفي بوعدي

- أستحلفك بالله. تأكدي أني لن أنسى صنيعك هذا وسألبي لك جميع طلباتك إن أنتِ أجبتني إلى هذا المطلب الإنساني

التمعت عينا بهيرة فجأة كأنهما عينا سمكة، وتحولت إلى نظرة صارمة وسط دموعها، قبل أن ترد عليه بالقول:

- أولاً، لا أريد أي طلبٍ منك. ثانياً، أريدك أن تعرف أني حتى لو قلت لك عن مكان ليلى، فلن تعرف مكان الطفلين

خفق قلب حسين بقوة، ثم انتفض صائحاً:

- ما الذي يعنيه هذا الكلام؟

- إنه يعني ببساطة أن الطفلين لا يعيشان الآن مع ليلى. لقد أودعتهما في ملجأ في المكان الذي سافرت إليه، وأنا لا أعرف مكان أو اسم هذا الملجأ، صدقني. قلت لك من البداية إنها تعتزم أن تحطم قلبك، وأنا آسفة - للمرة الثانية- لكل ما يحدث




شعر حسين بأن الحياة وهبته مفاتيحها، لكنه لم يجد أبوابا ليفتحها
غمغم وعيناه تسبحان في فضاءٍ تتدلى منه ملايين الأحلام المطفأة:

- لن ينفع أسفك ولن يغير من المأساة شيئاً

- أنت شاب رائعٌ وتستحق إنسانةً تمنحك الحب وتبادلك المودة. ليلى أختي، لكن عليك أن تتجاوز الأمر بالرغم من

إدراكي لصعوبته. فقط انظر إلى الأمام ولا تدع الأحزان تسيطر عليك. اسمعني جيداً، هذه الآلام الرهيبة التي تعيشها يجب أن تدعها تغادرك إلى غير رجعة


طفرت دمعة ساخنة من عينيّ حسين وسالت على وجنته، ثم نظر بعينين بهما قدرٌ كبير من الانكسار إلى بهيرة، قبل أن يتركها ويسير بخطى ضائعة قادته في النهاية إلى منزله في حي العجوزة

لم ينتبه كيف سار كل هذه المسافة الطويلة على قدميه، ولم يكن يسمع أبواق السيارات ولا نداء الباعة الجائلين

اختفت الصور وصمتت الأصوات كلها، بعد أن تزاحمت في ذهنه صورُ طفليه الغائبين عن عينيه، ثم حلت مكان الصورتين صورة ليلى: امرأة أنانية.. جشعة.. لا قلب لها.. ثم تحولت الصورة إلى بهيرة ودموعها تسيل على خديها

تداعت في ذهنه الصور وهو يسير في دروبٍ يغلفها ضبابٌ عميق، أما قلبه فلم يكن يملؤه إلا شعورٌ بالعجز ورغبة في الانتقام

Friday, October 17, 2008

مصر في حارة: 17








سارة ورضوان


" 17 "

عامٌ طويل مضى، منذ واقعة إلقاء القبض على محمود دياب


واقعة مؤلمة حفرت عميقاً في ذهن وذاكرة أحبته وأصدقائه، وما زاد من مرارة تلك الواقعة هو نهايتها التي نكأت الجراح
فقد صدر حكمٌ بإعدام محمود وإحالة أوراقه إلى المفتي، ونُفِذ الحكم بالفعل قبل أن ينتهي ذلك العام


بدا طاهر الأكثر تأثراً بما جرى.. تغيرت أشياء كثيرة في ذهنه وطريقة تفكيره، وأخذ يزور حسين أكثر من مرة أسبوعياً, وكان يتناول طعام الغداء مع عائلة المنياوي ومع حسين وعائلته الصغيرة في عددٍ من أيام الجُمع

هاجمت نوبات المرض سعدية من دون سابق إنذار..وأصبحت طريحة الفراش على فتراتٍ متباعدة، في حين كانت القطط صديقتها المقربة، إذ تنام في وداعةٍ إلى جانبها كأنها رفيقة مخلصة لتلك السيدة العجوز . لم تعد سعدية تعرف طعم المزاح، وتتجنب المرح ولحظات الغناء.. فجأة هبت رياح الحزن والملل لتقتلع أشجار المرح في حياة تلك المرأة

لكن أعجب وأغرب تغيير في مسار الأحداث و الأشخاص, هو أن حمدان لم يعد يلعب في الحارة, فقد كبر قليلاً وأصبح فتى في الثالثة عشرة, وخطت شعيرات فوق شفتيه ملامح شارب خفيف. أما هو فقد غمره إحساس بأنه على أعتاب الرجولة التي بدأت تسري في عرقه، وأخذ يحرص على أن يبدو عاقلاً ومتزناً أكثر فأكثر
الرياح التي هبت على عائلة المنياوي لم تغير شيئاً واحداً: طريقة تعاملها مع ليلى. كانت العائلة تعاملها بتحفظ مشوبٍ بالجفاء، ولم يخفف من وقع هذه المعاملة إنجابها طفلاً ثانياً من حسين، أطلقا عليه رضوان على اسم جده. وإذا كان الجد رضوان قد سُر وابتهج لأن طفل العائلة الجديد يحمل اسمه، فإن توقعات حسين بأن تتحسن معاملة عائلته لزوجته ذهبت أدراج الرياح
عاش الجميع في هدوء أقرب إلى الرضى وأشبه بالسعادة
ولكن، هل تستمر السعادة؟
بدأت رحلة توقفها في يومٍ من أيام الصيف الحارة, التي كان حسين يرتدي فيها بذلته الأنيقة للذهاب إلى العمل, فدخلت عليه زوجته غرفته, وبادرته بالقول:
- حسين يا حبيبي, أريد أن أكلمك في شىء مهم
- ألا يمكن تأجيله؟ عندي مواعيد وارتباطات عمل أريد أن ألحق بها
- كلا , أنا آسفة
نظر إليها حسين باهتمام، وسألها:
- خير.. إن شاء الله؟
- الحقيقة, هي أن أمي ليست راضية عن حياتنا ومعيشتنا في مصر!
- لكننا نملك شقة جميلة ومريحة في حي العجوزة .. أين تريدين أن نعيش؟
- في انجلترا يا حسين
باغته الرد فارتبك للحظات. أخذ حسين ينظر إليها بتعجب كأن شيئاً أصاب عقلها, ثم قال بصوت بارد يخالطه بعض الغضب:
- ليس كل ما نريد يتحقق, حلمك أن نذهب إلى انجلترا , لكننا سنستقر هنا في مصر .. ثم ما الذي لا يعجب أمك هنا؟
- لا تستطيع أن تتأقلم .. وأنا أيضاً غير قادرة على ذلك.. حاولت وفشلت. وبصراحة، لا أحب أهلك، أعني أنني.. لا أحب طريقة معاملتهم لي.. ثم إننا سنعيش سوياً حياة أفضل في انجلترا مع سارة و رضوان. صدقني يا حبيبي
وضعت يديها النحيفتين على وجنتيه البارزتين, ونظرت إليه نظرة مليئة بالتعاسة, لكنه قال لها بهدوء بعدما أبعد يديها عن وجهه:
- لا بد من الصبر يا ليلى والتأقلم مع حياتنا الجديدة.. أنا آسف, والآن يجب أن أذهب, أرجو ألا تفكري كثيراً في هذا الموضوع الثانوي
- هذا ليس أمراً تافهاً..إنه يتعلق بعائلتنا وحياتنا معاً
بدا حسين متململاً من هذا الحديث الذي لا يقود حسب رأيه إلى شىء، وطبع على جبينها قبلة باردة، ثم استأذن في الانصراف مسرعاً إلى العمل.. لكنه لم ينسَ ما قالته ليلى, وأخذ يفكر فيه وهو في حيرةٍ من أمره
وحين عاد من عمله مساء ذلك اليوم، رحبت به صغيرته سارة بابتسامةٍ بريئة, في حين بدت ليلى مشحونةٍ بقلقٍ مكتوم, لكن بخارها المكتوم كان يتصاعد شيئاً فشيئاً. وجد حسين أنه من الضروري تهدئة خاطرها. وحين جلسا معاً، بادرها بالقول:
- أعرف أنك مشغولة بموضوع استقرارنا.. لكنني يا ليلى خائف من الموضوع الذي حدثتني بشأنه في الصباح
احمرَّ وجه ليلى من الغضب، لكنها تمالكت نفسها وقالت وهي تضغط على مخارج حروفها:
- اسمع يا حسين .. لا أريد أن أعاندك، ولكن يجب أن نسافر
- و لماذا يا حبيبتي؟ نحن هنا نشعر بالارتياح و الدفء الأسري
- لا تجمعنا معاً في كلامك, أنت تشعر بهذا الارتياح، أما أنا فلا.. ولا أعتقد أن حال رضوان وسارة هنا سيكون أفضل من حالهما في بلدنا
- فلنغلق هذا الموضوع, لن نسافر إلا في أحلامك
- بل سنسافر يا حسين
- ما هذه اللغة التي تحمل تهديداً؟ لماذا تحاولين خلط الأوراق ودفعنا إلى حافة الصدام؟ قلت لكِ لن نسافر
غيَّرت ليلى من لهجتها وأخذت تخاطبه في توددٍ أقرب إلى الضعف:
- لست أتحداك. كنت أبحثُ فقط عن مصلحتنا كعائلة
إلا أن الحوار الذي دار باللغة الإنجليزية بدا كأنه بين شخصين يتمسك كل منهما برأيه ومواقفه
وفي لحظة توتر وغضب:
- لا فائدة من الكلام معك.. أنت عنيد وترفض النظر إلى مصلحة عائلتنا. سأترك المنزل، لكنني سآخذ معي الطفلين
رد قائلاً:
- لا بأس، خذيهما
وفي لحظاتٍ، حزمت ليلى حقيبة جلدية كبيرة تضم أغراضها وطفليها، ثم أخذت كلاً من رضوان و سارة متوجهة إلى شقة أمها كريستين في حي الدقي. وهناك، أخذت تشكو لأمها ما جرى. أيدتها الأم في موقفها، لكنها نصحتها بأن تحاول مرةً ثانية إقناع الزوج برأيها بشأن السفر إلى انجلترا والاستقرار هناك
في مساء اليوم التالي, ذهبت ليلى بصحبة أمها إلى شقة الزوجية في حي العجوزة
وبالصدفة، وجدتا مع حسين كلاً من سنية وفهيمة اللتين كانت تحاولان من دون جدى تهدئة الخلاف بين حسين وزوجته
وما إن دخلت ليلى مع أمها, حتى بادرت ليلى بالحديث إلى حماتها قائلةً:
- هل حكى لك حسين عما حدث بيننا؟
- نعم يا ليلى
- وما رأيك؟
رفعت سنية حاجبيها ثم قالت في حدة:
- بالطبع لست موافقة. من ترضى بأن يبتعد ابنها الأكبر عنها؟ ولماذا يفعل ذلك؟
- الحقيقة أنني لا أجد في هذا الموضوع أي مشكلة,ثم إننا من الممكن أن نزوركم بين فترةٍ وأخرى
- ومن يضمن لنا ذلك؟
فجأة, قال حسين بهدوء:
- اسمعي يا ليلى, لقد منحتك كل ما أستطيع.. اشتريت لك شقة فخمة ومريحة في حي راقٍ, و عاملتك أطيب معاملة, ولقد أنجبنا طفلين كنت أتصور أنهما سيذيبان أي خلافاتٍ بيننا, ولكن لم يعجبك كل ما فعلته من أجلك. إن أردتِ أن تسافري أينما شئت, فافعلي.. لكن يتعين عليك أن تتركي لي الطفلين
- هذا سيحدث في أحلامك. سيكون الطفلان معي أينما ذهبت
تدخلت الست سنية قائلة في غضب:
- ما هذا؟ سيبقى الطفلان معنا
أخذت ليلى حقيبتها وهي تقول في لهجةٍ ساخرة:
- سلام أيها الطبيب اللامع, أنا حتى لا أطيق رؤيتك
غادرت ليلى مع أمها, كما أخذت معها كرامة حسين التي تبعثرت عندما قالت له إنها لا تحتمل رؤيته. صمت حسين وهو يشعر بالإحباط والاكتئاب,في حين أخذت أمه تزيد من حالته النفسية سوءاً وهي تلومه قائلةً:
- هذه هي نتيجة من يتزوج امرأة لا تنتمي إلى بلده ولا تفهم أخلاقه ولا تعرف مجتمعه. كم كنت أتمنى أن تتزوج امرأة من بلدك ولا تهدم حياتك بالزواج من هكذا امرأة
في صباح اليوم التالي، استيقظ حسين ليجد نفسه وحيداً في شقته، لكنه شعر - ربما للمرة الأولى- بإحساسٍ عجيب.. الهواء الثابت ملأ الشقة الفخمة
صباح غريب وغير معتاد، ازدادت غرابته عندما لمح مظروفاً صغيراً ينام على مائدة الطعام في الصالة. فتحه ببطء والنعاس لم يفارقه بعد, وبدأ في قراءته بعينين نصف مغلقتين:
"حسين
دخلت الشقة صباح اليوم أثناء استغراقك في النوم وكتبت لك هذه الرسالة، سافرت اليوم مع سارة ورضوان وماما, لكني لم أسافر إلى انجلترا بعد أن نصحتني أمي بأن لا تعرف أين سافرت كي لا تلحق بي ..قلت لك إني سآخذ الطفلين.. لم يكن أمامي خيارٌ آخر. أرجو أن تجد امرأة أفضل مني, كما أني سأجد بالتأكيد رجلاً يحبني ويهتم بي أكثر منك
ليلى

تسارعت دقات قلب حسين واغرورقت عيناه بالدموع. قرَّب الرسالة إلى عينيه وأخذ يقرأ ما بها مرة تلو الأخرى. استند على المقعد كأنه يتهاوى تحت مطرقة الحدث، وتداخلت الصور في عقله.. قبل أن ينخرط في بكاءٍ مرير. لم يكن حسين يصدق تلك المفاجأة التي فطرت قلبه..أن تختفي زوجته ومعها طفلاه. بدأ يلوم نفسه ويجلد ذاته لأنه ارتبط بامرأةٍ يمكنها عند أول خلافٍ أن تحرمه من رؤية طفليه..ربما إلى الأبد
***
ارتدى حسين ملابسه على عجل, و أسرع إلى منزل حماته كريستين في الدقي لكنه لم يجد أحداً، فذهب كسير الخاطر إلى بيت أبيه رضوان أفندي، وقد احمرت عيناه بسبب بكائه المستمر حزناً على طفليه وهرب زوجته بهما
طرق باب العائلة، ففتحت له فهيمة وعلى وجهها ابتسامة ودودة سرعان ما اختفت لتحل محلها الدهشة لحالته التي يرثى لها, فسألته:
- حسين، ما بك؟
نظر إليها وسط دموعه, ثم ضمها بقوة و هو يبكي جرحاً عميقاً لا يندمل..كان شعوره بالحزن و الفقد غامراً .. وضعت فهيمة يديها الرقيقتين على ظهره, وسألته :
- ما بك ؟ لم تبكي يا حسين؟
- ليلى .. ليلى
- ما بها؟
- أخذت سارة ورضوان وسافرت إلى مكانٍ لا عرفه .. وقد لا أرى طفليَّ مرة ثانية, أشعر بالتعاسة, لا أصدق ما يجري لي
هرعت سنية إلى ابنها وضمته إلى صدرها, وأخذت تربت على كتفه لتهدىء من روعه. أما الأب رضوان فانهال عليه لوماً وتوبيخاً، واتهمه بالفشل في احتواء المشكلة مع زوجته، قبل أن يقول له بقسوةٍ وصرامة:
- لن أرى حفيديّ بسبب غبائك!
نظرت إليه سنية في تعاسةٍ, قائلة:
- لا داعي لهذا الكلام الآن, هما طفلاه أيضاً, و هو بالتأكيد يشعر بالذنب والحزن أكثر من أي أحدٍ منا.. ثم إن كل شيء قسمة ونصيب

بكى حسين, ولم يرد على أبيه, في حين انشغلت الأم بتهدئته، وهي تحاول أن تؤكد له أن هذه الغُمة مؤقتة وأنه سيلتقي طفليه وتعود إليه زوجته عما قريب


وعندما حل الليل، نصحته أمه سنية بأن يأوي إلى فراشه باكراً، وأن يطرح همومه جانباً، مؤكدةً له أن الفرج من عند الله سيأتي في أقرب وقت. أطاعها حسين وهو يشعر بانكسارٍ، إذ لم يكن يتخيل أنه يمكن أن يصبح في يومٍ من الأيام بمثل هذا القدر من التعاسة

Friday, May 23, 2008

مصر في حارة: 16



القاتل

" 16 "


صوت الطرقات المتلاحقة على باب المنزل، أفزع سنية التي اندفعت نحو الباب بخطى لا تتفق مع جسدها الذي أرهقته السنون وزادته البدانة ثقلاً. وما إن أدارت المفتاح وفتحت جزءاً من الباب الخشبي العتيق حتى اندفع حمدان الصغير إلى الداخل، كأنه فأر يفلت من مطاردة. حاولت سنية أن تمسح آثار النعاس على وجهها لتسأل ابنها عما به، لكنه عاجلها ما بين أنفاسه المتقطعة والدهشة البادية على ملامح وجهه ليقول لها:

- مفاجأة.. مفاجأة كبيرة يا أمي.. ألقوا القبض على القاتل..قاتل الست هنومة.. لقد اعترف بالجريمة
- ومن هو هذا المجرم الذي قتل هذه المسكينة؟
- لن تتخيلي ذلك. إنه محمود دياب , لا أعرف كيف. لا أعرف. محمود؟ ما علاقته بأبلة هنومة وكيف يقتل؟ .. كنت أظن أنه شخص مسالم وفي حاله
- محمود دياب؟ صديق حسين! لا إله إلا الله ... كيف؟ لا أصدق !
- لا أعلم يا أمي, لكن طاهر وحسين يقفان أسفل العمارة، أمام سيارة المباحث، والضباط على وشك وضع محمود في السيارة. لقد رأيت القيود في يديه والشرطي يمسكه بقوة


كان للخبر وقع الصدمة على الجميع، ولم تكن سنية من جهتها تتصور أن يكون محمود دياب قاتلاً، فصورته في ذهنها تتسم بنبل الأخلاق، فضلا عن كونه صديق ابنها
لم يكن أمامها سوى أن تتأكد بنفسها من حقيقة ما يجري


وما بين الترقب والفضول الذي تخالطه الرهبة وتوقع الأسوأ، سارعت إلى ارتداء العباءة بسرعة فائقة، دون أن يتوقف عقلها عن التفكير المشوش، في حين دَاخلَ قلبها شعورٌ بالمفاجأة الثقيلة على النفس. ما هي إلا دقائق حتى وجدت نفسها وسط بحر من الناس الواقفين على رصيف الحارة الملاصق لعمارتها ممن تجمعوا لمعرفة ما يجري


كان حسين واقفاً وسط هؤلاء وهو يمد يديه إلى الأمام كأنه يحاول التدخل دون أن يستطيع، وفي عينيه نظرة حزن وشفقة. أما طاهر فانخرط في نوبة بكاء مرير, فيما حاول محمود أن يخفي بكلتا يديه ملامح وجهه عن الجميع في المسافة القصيرة التي ظهر فيها على الملأ إلى أن اختفى داخل سيارة المباحث. وساعدته الأسلاك الممزقة في السيارة على إخفاء معالم وجهه

انحنى طاهر على ركبتيه و هو يردد دون وعي:
- لا أصدق, لا أصدق
بعد قليل، وجد طاهر نفسه في بيت صديقه حسين فيما أحاط بهما كل من الأم سنية والابنة فهيمة والابن حمدان

سألت الأم بحزن وعيناها مغرورقتان بالدموع:
- كيف يا حسين؟
نظر إليها حسين بحزن, قائلاً بصوت خافت:
- ألم تقل لكِ هنومة أن لديها ابناً؟
- صحيح, واسمه عادل
- عادل هو ابن محمود. لقد أنجبت منه عادل، بعد أن تعرف إليها محمود وهو في بداية دراسته الجامعية. علاقة عابرة لا أحد يعرف كيف بدأت وتطورت لتصبح علاقة زواج بين اثنين لا يجمع بينهما شيء.. لكن المحتوم وقع، لتدب بينهما الخلافات ، فقررت هنومة حرمانه من رؤية ابنه وأخفته عنه في الإسكندرية بحجة أنها راقصة وأن عملها لن يساعدها في أن ترعاه وتمنحه مشاعر الأمومة التي يحتاجها. ولهذا كان محمود على الدوام مهموماً وتغلب على وجهه التعاسة. كان يردد دائماً لطاهر أنه سيبقى حزيناً إلى أن يموت و ..
قاطعه طاهر, ليقول بصوت بدا خارجاً من بئر عميقة:
- لكن لم يفهمه أحد منا.. لم نفهمه
حاول أن يمسح دموعه، في حين أكمل حسين كلامه قائلاً:
- منذ أسبوع, زار محمود هنومة ورجاها أن تخبره بمكان ابنه, لكنها رأت الفرصة مواتية للنيل منه والانتقاص من كرامته، وسرعان ما احتد النقاش بينهما، فأخذت تجرحُ كرامته وتهدده وتصبُ عليه جام لعناتها.. ويبدو أن الشيطان لعب برأسه ودفعه في لحظة غضب إلى قتلها

بكى طاهر وهو يستمع إلى ما قاله حسين عن محمود صديقه المقرب إليه. لم تر سنية رجلاً يبكي بحرقةٍ مثلما كان طاهر يفعل
وعندما عاد رضوان أفندي من العمل حاول تهدئة طاهر الذي بدا في حالة انهيار يصعب معها احتواء مشاعره.. حتى فهيمة أخذت تواسيه تحثه بما تسعفها به الظروف


بدا طاهر كأن العالم من حوله قد تهاوى بضربة مطرقة، فارتمى في أحضان العزلة وسط جوٍ من اليأس والشعور بالقهر، نتيجة ما جرى لصديقه الأثير إلى نفسه


توارى طاهر وبقي لأشهر ٍ طويلة حبيس منزله، ولم يكن يقطع عليه عزلته سوى صديقه حسين الذي أخذ يزوره للاطمئنان عليه وتطييب خاطره. بذل حسين قصارى جهده كي يؤنس وحدة طاهر ويساعده على نسيان هذه الأزمة العصيبة.. غير أن المهمة بدت شبه مستحيلة

Thursday, January 24, 2008

مصر في حارة: 15





جريمة قتل


" 15 "


لكل نهار عنوان

وعنوان ذلك النهار كان تلك النسمة المنعشة التي هبت ولامست الخدود والجباه، لتمنح أهالي الحارة والمارة في تلك المنطقة لحظاتٍ نادرة من الراحة والطمأنينة
بدا كل شخص على حاله. الست سعدية تشتري لوازم قططها والحلوى والطعام. ناجي مقار يغني على الأرصفة بصوته الجميل الذي يملؤه الشجن. نجوى كريم تشتري هدايا للفقراء والمحتاجين من الأسر المتعففة, حسين يزور مع زوجته عائلة رضوان أفندي وزوجته سنية
لكن شخصية واحدة اختفت عن الأنظار كأنها فص ملح وذاب: الراقصة هنومة نصار
فقد انقطعت أخبارها ولم يعد أحد يراها وهي تخرج في أول المساء ثم تعود في وقتٍ متأخر أو مع ساعات الصباح الأولى
تبخرت هنومة، الأمر الذي أثار فضول وتساؤلات البعض
وفي يوم الجمعة, فتحت فهيمة باب المنزل لحمدان الذي قال بحماس ٍ طفولي مشوب بالخوف :
- الشرطة موجودة تحت العمارة, ويقول الجميع إن الست هنومة قُتلت
خرجت سنية من المطبخ وهي تشمر عن ساقيها وقالت وهي تمسك في يديها بإحدى حبات الطماطم التي كانت تجهزها لطبق السلطة ضمن طعام الغداء :
- قتلوها؟
بعد لحظة صمت، أردفت سنية قائلة: لا حول ولا قوة إلا بالله. هل عرفوا من القاتل؟
هز حمدان رأسه بالنفي, ثم قال بأسف:
- يقول شيخ المسجد عمر إنه رآها لحظة الجريمة, عند آذان الفجر, وهو من أبلغ عن الحادث, ولكنهم لا يعرفون من القاتل حتى الآن, لأن الشيخ رآه من ظهره عبر الزجاج الملون للنافذة ملونة, فكان من الصعب عليه أن يحدد ملامحه ويكتشف هويته
أطل الأسى من عيني سنية, وزفرت زفرة حارة قبل أن تقول بصوتٍ خفيض:
- ربنا يغفر لها و ينتقم ممن قتلها
ران الصمت على منزل عائلة رضوان..وخيمت أجواء من الحزن على أفرادها.. ولكن عندما عاد رضوان أفندي من العمل تسابق الجميع لإبلاغه بما جرى في غيابه، لتدور الحوارات والتخمينات بينه وبين باقي أفراد العائلة حول حكاية جريمة قتل هنومة نصار

وفي الحارة تتغذى النميمة على الفراغ القاتل، في محاولةٍ يائسة لكسر أجواء الرتابة والملل
وهكذا أصبحت جريمة قتل هنومة نصار حديث الجميع في تلك الحارة الوادعة.. حتى حسين انشغل في لقائه منتصف اليوم مع صديقيه طاهر ومحمود بموضوع الراقصة التي انتهت حياتها نهاية مأساوية يلفها الغموض
كانت بورصة التخمينات على أشدها بشأن حقيقة ما جرى لتلك المرأة، حين قال طاهر :

- أتوقع أن تكون قد انتحرت, والله أعلم
ضحك محمود, وقال بسخريته المعتادة :
- انتحرت؟ لا يا ذكي , لأنهم وجدوها مذبوحة بطعنة سكين.. عليك ألا تنسى أن شيخ المسجد رأى شخصاً ما يقتلها! هذا استنتاج يثبت تواضع ذكائك وضمورك العقلي أيها الخائب
لوح طاهر بيده, وبدا متضايقاً من سخرية صديقه بقدر ما شعر بالأسف لسقوط الفرضية التي وضعها وظن أنها تقدم حلاً للجريمة الغامضة
لكنه سرعان ما حاول الدفاع عن نفسه بالقول:
ربما كان الشيخ قد تخيل ما رآه.. إنه شيخ كبير في السن، والأكيد أنه فقد حدة الإبصار وقوة التركيز منذ زمن بعيد
جاءت سنية وفي يدها أكواب الشاي التي تهتز على الصينية حتى يكاد الشاي الذي تتصاعد منه الأبخرة يلامس الحافة، كأنه امرأةٌ تتدلل في غنج
شاركتهم سنية الحوار فقالت:
- المهم أن يغفر لها ربنا .. أستغفر الله
استمر الحوار طويلاً, تشعب في دروب مهنة الراقصة وعلاقاتها وعودتها إلى المنزل متأخراً، ودخل في متاهةٍ من التفسيرات والتأويلات، وتكررت كلمة "ربما" طوال النقاش
فجأة, سمع الجميع طرقات قوية ومتواصلة على الباب. جفلت الست سنية, وسرت في جسدها رعدة قبل أن تخاطب زوجها بصوت مهتز وأنفاس متقطعة :
- لابد أنهم المباحث .. افتح أنت الباب!
ابتسم رضوان وأشار لها بيده مطمئناً، ثم اتجه إلى الباب. وما إن فتحه حتى عقدت الدهشة لسانه، إذ وجد عند الباب أربعةً من رجال الشرطة يتقدمهم ضابط برتبة مقدم، لم يضيع وقته طويلاً، فأخذ يطرح أسئلة ويحقق بجفاء مع رضوان وزوجته التي كانت ترد بصعوبةٍ بالغة وأنفاسٍ متقطعة على تساؤلات ضابط التحقيق، وهي تحاول تمالك نفسها حتى لا تطفر الدموع من عينيها

وسرعان ما سأل الضابط عن مدى علم عائلة رضوان بأن هنومة كان لديها ابن ٌ يعيش في الإسكندرية، فأجابت سنية بأنها علمت بالأمر من هنومة وأن اسمه عادل. سجل مقدم الشرطة بعض الملاحظات والمعلومات التي استقاها من عائلة رضوان، وعدَّل قبعته الرسمية، قبل أن يستأذن في الانصراف ويأمر من معه بأن يلحقوا به. وفور خروجه أسندت سنية يدها اليمنى على أقرب مقعد في الصالون ذي اللون المذهب وأخذت تردد: الحمد لله.. الحمد لله
أما ابنتها فهيمة، فقد وقفت عند باب غرفتها وهي تضع يدها على صدرها، كأن عبئاً ثقيلاً انزاح عن صدرها

في ظهيرة اليوم التالي, كانت سعدية تتبادل أطراف الحديث مع سنية عبر الشرفة الصغيرة. دار الحديث حول هنومة، فلا شيء غيرها يشغل أذهان أهل الحارة. قالت سعدية:
- لا أعرف شيئاً عن الست هنومة, حتى إنني لم أكن أعرف أن هناك راقصة أصلاً في الحارة
ضحكت سنية ضحكةً قصيرة وهي تحتسي قهوتها، وتقول لنفسها كم هي كاذبة هذه الجارة. ثم قالت بهدوء:
- الحقيقة, زرت منزلها من قبل, وتكلمت معها وعرفت أن لديها ابناً من زواجها الأخير وأنه يقيم مع أمها في الإسكندرية. أثاث شقتها يدل على أن حالتها المادية ميسورة وبدت لي مرتاحة البال, لكنها لم تذكر أن لديها أعداء
- عجائب يا دنيا عجائب
- لم أكن أتوقع أن تحدث جريمة في الحارة .. جريمة!
- بعض الأشقياء في ليل الحارة يحملون المطاوي والسكاكين, وجرائم السرقة والسطو تقع بين الحين والآخر. لم تتعجبين ؟
- لا أعلم .. لكنها جريمة قتل يا سعدية!
- قلت لك, عجائب يا دنيا
ضحكت سنية على كلام سعدية، وواصلا الحوار الذي لا نهاية له

مضت شهور على هذا الحوار الذي يتساءل عن الضحية..والقاتل
وفي أحد أيام الخريف المعتدلة زار حسين صديقه طاهر في المنزل, ففتح له الأخير الباب وقال بحزن:
- مساء الخير يا حسين, تفضل
- مساء النور, ما بك؟
صمت طاهر قليلاً, ثم قال:
- سيسافر مصطفى اليوم إلى قنا, ولن يرجع القاهرة مرة ثانية
قال حسين كأنه يعاتب صديقه:
- مازلتُ موجوداً ..أنا ومحمود -
- محمود ؟ أنا ومصطفى لا نعرف مكان محمود منذ ثلاثة أسابيع, وأخشى أن يكون قد حدث له شيء, أو حتى وقع له مكروه..لا قدر الله
خفق قلب حسين, وتسرب إليه شعور بالقلق. اقترح على صديقه أن يمضيا سحابة النهار في البحث عن محمود، ربما يمكنهما الاطمئنان عليه ومعرفة سر اختفائه المفاجيء، فوافق. غير أن بحثهما كان بلا طائل, مع أنهما فتشا عنه في كل مكان وسأل عنه لدى أصدقاء مشتركين، وتفقدا عدداً من المستشفيات وبعض أقسام الشرطة

أخذ الإرهاق من طاهر كل مأخذ, وبدأ يشكو لحسين, ويعبر له عن ضيقه, لأنهما لم يعرفا سبب غياب صديقهما

وبعد خمسة أيام, كان الجميع على موعد مع معرفة الحقيقة المُرة .. معرفة قاتل هنومة نصار
صعق كثيرون حين علموا بهوية القاتل.. ربما لأنه كان آخر من يتوقعون أن يقف وراء تلك الجريمة المروعة

Thursday, November 29, 2007

مصر في حارة: 14



ليلى موسى


" 14 "




ذاع الخبر في أنحاء الحارة
عرفه البشر والحجر.. فور أن علمت به نجوى كريم. حاصر الجيران والمعارف أفراد عائلة رضوان المنياوي، وخاصة الابن حسين، وبدأت سلسلة لا تنتهي من كلمات المجاملة والتهنئة بالزواج وقدوم المولودة الجديدة، مع بعض العتاب لتأخير إعلان الخبر

تنفست أم حسين الصعداء بعد أن أصبح الخبر معلناً وشعرت بأن جبلاً من القلق قد أزيح عن صدرها.. فالأسرار لها دائماً ثمنٌ غال اسمه التكتم

ألح حسين على أفراد عائلته كي يلتقوا زوجته ليلى,الأمر الذي أسعد حمدان وأثار تبرم أخته فهيمة، وبدت سنية راغبة في ذلك بالرغم من ممانعتها حتى لا يغضب زوجها رضوان

وبعد استرضاء طويل ومحاولات متكررة، استسلم الأب بعد أن وجه إلى ابنه حسين كلمات قاسية لأنه جاء إلى العائلة بزوجةٍ لا يعرفون عنها شيئاً وتخالفهم في العادات والتقاليد

وفي منتصف النهار, كان قد حان موعد اللقاء المرتقب بين عائلة رضوان المنياوي وليلى زوجة حسين.. أول ما استرعى انتباه سنية هو تلك الجرأة -التي تصل في رأيها إلى الوقاحة- في تلك المرأة. قرأت في عينيها ولونهما الأخضر مكر الثعالب، ومطت فهيمة شفتيها في ضيق عندما نظرت إلى قوام ليلى الذي يتثنى في لؤم، وطولها الفارع وبشرتها العاجية التي تنضح بخليطٍ من البرود والقسوة

استقبلتها الأسرة بنوعٍ من الفتور المهذب بالرغم من الابتسامات المفتعلة وكلمات الترحيب الجوفاء، ونبرات الصوت التي حاول الجميع أن تبدو رقيقة. وكانت ليلى من الذكاء بحيث تشعر بهذا كله، فقررت أن تجاريهم وأن تبدي أمامهم مودة زائفة, وأن تظهر في صورة الزوجة المحبة والأم التي تفيض حناناً على ابنتها سارة

عاملت فهيمة ليلى بجفاءٍ كعادتها, واختارت ليلى تجاهل الأمر وإبداء المودة لأخت زوجها

كانت المشاهد التمثيلية المتتابعة في تلك اللحظات كافية لصنع مسلسلٍ تليفزيوني يستحق بعض الجوائز في الأداء

تكررت الزيارات بعد ذلك، ولاحظت العائلة حرص ليلى على التأنق وارتداء ثيابٍ ثمينة مختلفة في كل مرة. ولم تنس سنية أن تتمالك نفسها في أكثر من مناسبة لتوجه إلى زوجة الابن ملاحظاتٍ على انفراد حاولت أن تغلفها بالود، وتنصحها فيها بارتداء ثيابٍ طويلة تغطي بها مواطن جمالها، في حين كانت ليلى ترد بابتسامةٍ وهزةٍ من رأسها، تخفي بها ضيقها من هذه العائلة التي تحاسبها على كل شيء يخصها..حتى ملابسها



كانت المسافة بين ليلى وتلك العائلة شبيهة بالصدع بين جبلين.. فلا الجسور تنفع لردم الهوة، ولا المجاملات تكفي لرسم ملامح علاقة طبيعية بين عالمين مختلفين كل الاختلاف

لكن المفاجآت استمرت

فقد دعت ليلى والدتها كريستين لزيارتها في مصر. وجاءت الأم الإنجليزية، وبطبيعة الحال حدث التعارف بينها وبين عائلة زوج ابنتها. كما زارت عائلة رضوان في الحارة بهيرة شقيقة ليلى التي استقرت في مصر منذ صغرها مع أبيها المصري الذي توفي منذ عامين. كانت بهيرة طبيبة تتسم بالذكاء الفطري وتملك روحاً مصرية دافئة وخفة ظلٍ لا تخطئها العين

وجاء أيضاً نديم شقيق ليلى، الذي زار مصر خصيصاً لمقابلة عائلة حسين. وبدا مع مرور الوقت أن عائلة رضوان المنياوي لا تستلطف من عائلة ليلى سوى بهيرة، التي نجحت في كسر جدار التحفظ وتمكنت من الفوز بقلوب الجميع ببساطتها الآسرة وروحها المرحة، وضحكتها التي تشبه رنين الذهب

Sunday, September 9, 2007

مصر في حارة: 13



نجوى كريم


" 13 "


كانت سنية راقدة تحت دِثارها وجسدها يرتجف قليلاً بسبب البرد الذي أخذ يتسرب تدريجياً مع قدوم فصل الشتاء.. كانت عيناها معلقتين في فضاء الغرفة باتجاه السقف، حالمتين كعادتهما، في حين كان قلبها يحلق في دنيا بعيدة خالية من الأسى والتعب الذي تواجهه كل يوم، حتى سمعت طرقات على الباب، فنهضت بخطوات متثاقلة وهي تضع عليها عباءتها.

وما كادت تفتح الباب حتى ارتسمت ابتسامة على وجهها وخفق قلبها ..فنجوى كريم لا تزور منزلها إلا قليلاً.

كانت نجوى أكثر نساء الحارة تمتعاً بيسر الحال، وكانت غالباً ما تورد وجهها ووجنتيها البارزتين بالأصباغ والمساحيق وتلون شفتيها بأحمر الشفاه اللامع وتزين عينيها بالكحل. وكم كانت نساء الحارة ينتبهن إلى عشقها لارتداء الحلي الذي يطوق يديها السمينتين والسلسلة الذهبية ذات المصحف الكبير التي كانت تحيط برقبتها، وتعطي مؤشراً لا تخطئه العين على حالتها الميسورة.

وبالرغم من ثرائها فقد كانت عاشقة للحياة في حارة الشرف، مثلما عرف عنها كثيرون حرصها على مد يد العون للفقراء والمعوزين، واهتمامها بأن تكفل عدداً من اليتامى. بل إن البعض يحكي عن مساعداتها المادية لسرور الدمياطي قبل أن تتحسن أحواله وينال من رزق الله الواسع.

لكن هذا لم يكن ليجعل الناس ينسون عنها صفاتها المزعجة، فقد كانت أكثر النساء فضولاً ورغبة في استطلاع أخبار الناس من حولها حتى ولو كان ذلك يصيبهم بالضيق باعتباره من خصوصياتهم. وفي المقابل، كانت من عشاق جلسات النميمة لتبادل الأخبار والتفاصيل مع نساء الحارة حول كل ما يحدث خلف الأبواب المغلقة في منازل حارة الشرف.

ولم يكن ليفوتها مشهد حسين وهو يحمل بين يديه طفلته وينزل بها من عربة الحنطور قبل أن يصعد بها إلى منزله. قرضت نجوى أظفارها وضاقت عيناها وهي تفكر وتضرب أخماساً في أسداس، متسائلة حول هذا المشهد ومعنى وجود طفلة بين يدي حسين الذي لا تعرف عنه الحارة أنه تزوج أصلاً.

اشتعلت نار الفضول في صدرها، وهي من النيران التي لا تنطفيء بسهولة.

قررت نجوى أن تزور الست سنية وتسألها بنفسها.. وقد كان!

- كيف حالك يا أم حسين؟
- بخير و الحمد لله .. نورتِ البيت يا ست نجوى.

وبعدما استقبلت سنية صديقتها بحفاوة، جلستا لاحتساء فنجانين من القهوة المضبوطة، قالت نجوى دون مقدمات:

- رأيت ابننا حسين يحمل طفلة صغيرة ويصعد بها إلى هنا. صبية من تلك يا أم حسين؟
خفق قلب سنية بشدة وبدا عليها الارتباك، فها هي مطالبةٌ بأن تبوح لواحدة من أهل الحارة بتفاصيل عن زيجة حسين في الخارج وإنجابه طفلة، لكنها عادت لتقول لنفسها إن ابنها لم يرتكب في النهاية إثماً لا سمح الله. هو فقط قفز فوق تقاليد وأصول الزواج كما تعرفها عائلته وربما الحارة.

- البنت هي سارة، ابنة حسين. الولد تزوج امرأة أثناء دراسته في انجلترا .. بعلمنا طبعاً، و..
- ما شاء الله, ربنا يحفظها!
أرادت سنية أن تغير الموضوع وأن تصرف انتباه نجوى، فقالت لها:
- إن شاء الله.. شكراً على السؤال, وأنت كيف حال بناتك وأبنائك؟
- كل شيء بخير. تعرفين الحياة وهمومها وحكاياتها التي لا تتوقف، لكن جميعهم بخير.

وانتهى الحوار بسرعة على عكس ما توقعت سنية, التي ودعت ضيفتها الفضولية وهي تتنفس الصعداء.

كانت سنية تعلم أن نجوى ستتكفل في جلسات النميمة مع نساء الحارة بإذاعة ونشر الخبر عن زواج حسين، الأمر الذي كان ثقيلاًَ على قلبها، لأنها كانت تشعر بأن أسئلة وفضول نساء الحارة قد تسبب لها بعضاً من الحرج، خاصة في ظل تساؤلاتهن المزعجة عن الزوجة الجديدة وسر عدم عدم حضورها أو زيارتها منزل أهل زوجها حتى الآن، بالإضافة إلى تفاصيل الزواج نفسه وسبب ارتباط حسين من امرأة أجنبية بعيداً عن الوطن، وعدم ارتباطه بفتاة من الأقارب أو الحارة مثلاً.



وفي الحارات، يأكل الناس من خبز الأخبار والأسرار على مائدة الفضول.

ولدى عودة زوجها أبلغته سنية بأنها قد أخبرت نجوى عن موضوع زواج حسين, فلم يغضب بل قال لها:

- هذه السيدة فضولها لا نهاية له، وإن كان نبلها وكرمها يغفران لها هذه الصفة التي تزعج الناس.

ثم ابتسم لسنية وقال بلهجةٍ ساخرة:
- على أي حال، لا بأس من أن تتولى إذاعة نجوى كريم نشر الخبر.. ففي النهاية لم يكن هناك مفر من أن يعرف الناس أن حسين تزوج وأنك أيتها العجوز أصبحت جدة.


ولما رأت سنية أنه في حال من المزاج الرائق، بادلته المزاح قائلةً:

- عجوز؟ من فينا العجوز يا رجل..عندما تكبر ابنة حسين وتقول لك يا جدي ستعرف جيداً من فينا الذي كبر كثيراً في العمر.

Sunday, August 19, 2007

مصر في حارة: 12



سارة حسين
" 12 "

النهار الصامت في أوله..يشبه ليلةً لا تعرف أجهزة الأرصاد الجوية كيف تفسر مفاجآتها.

وفي ذلك النهار، كانت الدموع لغة الصمت ولعنة الانتظار.

كانت الأم سنية تبكي بحرارة، ولم يكن أحد يعرف هل كانت دموعها حزناً على المفاجأة الصاعقة التي تسبب فيها ابنها البكر حسين لزواجه من فتاة أجنبية خلال سنوات اغترابه، أم أنها كانت دموع الفرح واللهفة لرؤية الحفيدة سارة لأول مرة.

كانت سنية تفرك يديها في قلق وتوتر، كأنما اليدان تنتظران على أحر من الجمر احتضان الصغيرة سارة..خفقات قلب سنية كانت تتسارع كلما سمعت دقات الساعة الكبيرة في صالة المنزل. كانت تحث عقارب الساعة على أن تتعانق، حتى يمكنها أن تحتضن هي تلك الحفيدة.

وحتى تغالب دموعها وتشغل نفسها عن توترها وارتباكها،أخذت سنية تصرف ذهنها بكل الطرق عن فكرة الانتظار، فتنهمك في إعداد مظاهر الاستقبال وتنظيف أرضية المنزل وتلميع قطع الأثاث الخشبية التي تقادمت وذهب بريق لونها الأصلي بفعل الزمن. كانت تفعل كل هذا وهي تحاول أن ترسم على وجهها بين الحين والآخر طيف ابتسامة، سرعان ما تختفي بسبب غول القلق.

بعد ساعات طويلة بطيئة، فرغت سنية من تجهيز المنزل لاستقبال الحفيدة المنتظرة، ثم جلست مع حمدان في حجرة الاستقبال الصغيرة، في حين رفضت فهيمة الانتظار معهما وفضلت الاستلقاء على فراشها والغرق في بحر تأملاتها.

وقبل أن يودع قرص الشمس جوف السماء، لمح الأب رضوان أثناء جلوسه على مقعده الأثير في المقهى عربة حنطور تتهادى من بعيد, سرعان ما اقتربت ليظهر فيها حسين الذي أمر سائقها بالوقوف عند باب منزل العائلة، ونزل برفق وهو يحتضن سارة بين ذراعيه. كان رضوان يتابع المشهد، فآثر التريث قليلاً قبل أن يلحق بابنه وحفيدته دون أن يرافقهما إلى الشقة.

وما كادت سنية تسمع طرقات على الباب حتى أسرعت لتفتحه، لتجد أمامها حسين وهو يضم حفيدتها إلى صدره. لم تهتم سنية كثيراً للحديث مع ابنها بقدر ما كانت متلهفةً على احتضان الصغيرة. أخذتها من بين ذراعي حسين بعينين دامعتين، وأخذت تتأملها وتتفحص ملامحها وهي نائمةٌ في لفافة بيضاء كأنها طيفٌ من عالم الخيال.


وبالرغم من التأثر والجو المشحون الذي أحاط بأركان المنزل, كان رضوان ينظر إلى حفيدته بطرف عينيه، كأنها يختلس النظرات إليها، ويقاوم فكرة احتضانها، تأنيباً لحسين على زواجه دون علم الأسرة.


وبينما الأجواء تجمع بين الفرحة العارمة والتأثر الشديد، اقترب حسين من ابنة أخيه مبتسماً وعانق كفها الصغيرة فتمسكت بيديه وجمعت أصابعها الصغيرة وكل ملامحها تفيض بالبراءة والرقة، ثم أخذت تتفوه بكلمات لا معنى لها أو تصدر عنها أصوات طفولية، فانطبعت الابتسامة على وجه سنية، في حين نظرت فهيمة إلى الصغيرة في فضول، في الوقت الذي استغرقت فيه سنية في تلاوة آيات من القرآن وهي تمر بيدها على رأس حفيدتها.

كسر حسين حاجز الصمت، فقال وهو يبتسم:
- ما شاء الله, وجهها جميل. ألا تشبه فهيمة ؟
ظل سؤاله المجامل حائراً دون إجابة, فمط شفتيه وقال في براءةٍ كأنما يجيب على نفسه:
- أنا أقول إنها تشبه فهيمة.

Sunday, March 11, 2007

مصر في حارة: 11



ليلى موسى
" 11 "




توارت خيوط ضوء الشمس الواهية خجلاً خلف السحب، كأن ذيول الفجر لا تزال تفرض نفسها على القرص المستدير الذي يتوسط السماء

انهمك حمدان في اللهو في أرجاء الحارة غير عابيء بلسعات خفيفة من البرد تطارد المارة وتدفع القطط إلى الانزواء أو الاحتماء بالأشجار العارية. أما فهيمة فقد لزمت مطبخ المنزل، تشارك في طهي الطعام وتردد بعض الأغنيات الذائعة وسط الأبخرة المتصاعدة من القدور التي تغلي. وانشغلت سنية بمهمة تنظيف المنزل بمساعدة أم سعاد, أملاً في أن يزداد جمال ورونق منزلها المتواضع، خاصةً بعد أن رأت بأم عينيها الحال الميسورة للجارة هنومة بما تملكه من أثاث جديد وكراسٍ خشبية وحوائط براقة تزينها الستائر الملونة

أما حسين فقد حافظ على عادته الغموض بالبقاء لساعاتٍ طويلة خارج المنزل، من دون أن يعلم أحد ما الذي كان يفعله ومع من يلتقي

يوم بدا لكثيرين مجرد يومٍ عادي آخر, لكن القدر كان يخبيء لعائلة رضوان أفندي مفاجأةً من العيار الثقيل
كان رضوان جالساً في مكانه المفضل بالمقهى وهو يرشف من فنجان القهوة حين وجد ابنه حسين يحث الخطى إليه قبل أن يقف في مواجهته وينحني قليلاً ليقول له بصوت أقرب إلى الهمس:

- أبي, أريدك في موضوع غاية في الأهمية
- طيب، اجلس وهات ما عندك يا دكتور
- الحقيقة.. أنني.. الأفضل أن أناقش الموضوع معك في البيت

وافق رضوان من دون أن يولي الأمر أهمية تذكر، فلم يكن هناك ما يدعوه إلى القلق..لكنه حين دخل منزله أحس بجوٍ من الترقب يحيط بغرفة الاستقبال..كان حسين في انتظاره جالساً وهو يفرك يديه إلى أن رأى والده فهب واقفاً ونادى على باقي أفراد العائلة كي يتجمعوا ويستمعوا إلى ما يريد قوله


تحلقت الأسرة حول حسين الذي طالت فترة صمته، حتى استعجلته الأم سنية لرغبتها في إكمال ما بدأته من أعمال المنزل، لكن حسين قال وهو يتعثر في كلماته:

- الحقيقة, هناك أمر معين أخرّني وأنا في انجلترا. شيء لا أدري كيف أقوله لكم, لكن يجب أن تعلموا به الآن على أي حال، فأنا لم أعد قادراً على إخفائه لمدة أطول
يحلق طائر الذهول فوق رءوس الجميع إلى أن تتساءل سنية في لهفةٍ قائلةً:

- قل لنا يا حبيبي، ماذا حدث لك في انجلترا؟

احمرت وجنتا حسين وهو يقول بصوت خافت:

- الحكاية أنني..

تسارعت ضربات قلب حسين وكاد الفضول والقلق يوقف خفقات قلوب باقي أفراد عائلته، في حين اتجهت العيون إلى حسين الذي قال وهو يغالب تردده:

- أنا ..أنا تزوجت من فتاة اسمها ليلى موسى, نصفها انجليزي ونصفها الآخر مصري و.. وأنا أب لطفلةٍ منها. أعلم أنها مفاجأة بالنسبة لكم جميعاً، لكنني لا أستطيع أن أخفي الأمر عنكم بعد الآن
كان حسين في أثناء كلامه المتردد يقف بين كل لحظة وأخرى.. وعندما فرغ من إلقاء قنبلته أخذت أمه بعينين ذاهلتين تردد من دون ملل:

- تزوجت "خواجاية يا حسين..تزوجت "خواجاية"

أما رضوان أفندي فهوى بكف يده على خد حسين.. وانهال على ابنه بشتائم قاسية زلزلت كيان الابن البكر للعائلة.. وسرعان ما سالت الدموع من العيون, وسط حالة من الصدمة والارتباك تلف المكان
تهاوت سنية بجسدها الثقيل على المقعد كأنها تريد أن تستنجد بأي شيء حتى لا تقع على الأرض وتنهار.. اغرورقت عيناها بالدموع .. وبدأت تندب حظها, وهي تلوم ابنها:

- هل هذه نهاية ثقتنا بك يا حسين؟ لماذا ؟

اشتعل الغضب في صدر رضوان مرة ثانية، فارتفع صوته وهو يصرخ في وجه زوجته طالباً منها أن تسكت قليلاً، إلى أن فوجيء بها الجميع تنخرط في بكاء مرير وهي تقول:

- الله يسامحك يا ابن بطني

وبينما الصاعقة تترك أثرها على الوجوه والقلوب, ذهبت فهيمة ناحية حسين ووضعت يدها اليمنى على كتفه, لتهزه وهي تقول باكية:

- لماذا يا حسين؟
نظر إليها حسين نظرة تمتزج فيها مشاعر الألم بالأسى.. من دون أن يمنحها إجابة تشفي غليلها

اقترب منه الأب قائلاً في غضب:

- هل هذه نتيجة موافقتي على سفرك إلى بلاد الغربة؟ تتزوج من دون علم أهلك؟ كيف حدث هذا؟
أطرق حسين برأسه وهو يقول:

- تزوجت على سنة الله ورسوله..والله!
- لكنك تزوجت من دون أن نعلم بالأمر ولم تستشرنا في شيء.. لا أصدق أنك فعلت هذه الفعلة
ووسط بكائها الحار الذي لم تفلح محاولات الابنة فهيمة في تهدئته، أخذت سنية تقول:

- حرام عليك, معقول أبقى جدة من دون أن أعرف!..وعندما أعلم بالأمر لا أتذوق حلاوة الإحساس باحتضان حفيدتي؟ معقولة ابني الذي كنت أثق فيه أكثر من نفسي وأتفاخر به، يفعل كل هذا من وراء ظهورنا جميعاً؟ ما ذنبها ابنتك المسكينة كي تحرمها من جدتها وجدها؟

- أنا نادم أشد الندم يا أمي!
- وما نفع الندم الآن!

نظر كل من حمدان وفهيمة إلى أمهما وهما يشفقان عليها بسبب بكائها ودموعها الغزيرة، في حين أخذ رضوان يتمالك أعصابه ليسأل ابنه قائلاً:

- والآن, ما العمل؟ لا أعرف يا ربي ما العمل!
سالت دمعتان على وجه حسين ثم انحنى على يدي أمه وهو يقبلهما قائلاً:
- أرجوك يا نينة, شوفي زوجة ابنك وحفيدتك.. دعينا نطوي صفحة الماضي ونفتح صفحة جديدة.. لقد استأجرت لهما شقة صغيرة في باب اللوق إلى أن أفاتحكم جميعاً في الأمر.. أرجوك.. أرجوكم جميعاً..اعتبروا أنكم كنتم تعلمون الأمر من البداية, ثم إن هذا زواج يا جماعة.. لم أرتكب إثماً لا سمح الله.. كل ما فعلته أنني أحببت فتاة وتزوجتها حتى رزقني الله بابنة جميلة منها


بدأت الأعصاب تبرد تدريجياً، وبدا كل من رضوان وسنية أكثر تقبلاً أو على الأقل خضوعاً للواقع والمفاجأة التي حملها إليهما ابنهما البكر.. هدوء شجع حسين على مواصلة حديثه مخاطباً والده هذه المرة قائلاً:

- هل ترضى يا أبي ألا ترى حفيدتك الأولى التي تبلغ من العمر عاماً ونصف العام؟ إن زوجتي هي ابنة جديدة لك. أشعر بجرح عميق في قلبى, وأنتم جميعاً علاجي الوحيد من هذا الألم الذي ظل حبيساً في صدري طوال الفترة الماضية. قولوا إنكم موافقون على رؤيتهما.. أرجوكم

تبادل الجميع النظرات وانطلقت من الأعين رسائل تتراوح بين الاستعطاف والتردد والحزن، إلى أن قطع رضوان الصمت ببطء وتردد قائلاً:

- موافق, لكن بشرط
تهلل وجه حسين قائلاً:

- كلامك أوامر يا أبي
- أريد أن أرى حفيدتي فقط. لست راضياً لا عن زوجتك ولا عنك يا حسين
وافق حسين من دون تردد على طلب أبيه, بعد أن وجد في هذه الموافقة المشروطة فرصة لإنهاء ولو جزء من معاناته مع سر زواجه السري، على أمل أن يذوب جليد الجفاء تدريجياً وينجح يوماً في لم شمل عائلتيه الكبيرة والصغيرة
ولأول مرة منذ بدء هذه المصارحة العاصفة التي هزت المنزل الهاديء، ارتفع صوت حمدان فجأة ليسأل في براءة:

- حسين.. ما اسم ابنتك؟
لاحت على وجه أخيه ابتسامة خفيفة ومسح دموعه بطرف قميصه وهو يقول:

- اسمها سارة.. سارة حسين

مصر في حارة: 10


محمود دياب
" 10 "
جاءت أيام الشتاء الهامدة, رش السكون مسحوقه السري على شوارع الحارة.. الحديث الوحيد بين سكانها الصمت، كأنهم سئموا الثرثرة طوال باقي فصول السنة، واستعدوا لحالة من البيات الشتوي التي تصل إلى حد السبات
راود فهيمة رضوان شعور بأن أيام غياب الأخ حسين قد عادت بعدما كانت العائلة تتوقع انتهاءها.. كان الشاب كثير التنقل من مكان إلى آخر كأنه يبحث عن شيء ما غامض يبحث عنه. تشاجر الأب معه كثيراً، حتى إنه قال له ذات يوم بصوته الجهوري:
- لم نعد نراك كثيراً يا حسين، ماذا جرى.. أين تذهب؟
فلا يخرج حسين عن هدوئه، ويجيب قائلاً بنبرة أرادها محايدةً: "ذهبت إلى العمل ونسيت نفسي" أو "أحببت أن أتنزه فسرقني الوقت"
ويصدقه رضوان أفندي بعدما تستر بالحدة حتى يخفي السذاجة, وقد صدقته الأسرة بأكملها.. إلا فهيمة, حيث تتبعت بذكائها الفطري تصرفات وردود فعل أخيها لتحصل في كل مرة على النتيجة نفسها: "يوجد سرٌ ما يخفيه أخي". تلف الفتاة وتدور على أخيها لكن من دون جدوى، إذ إن نباهة حسين وهدوء أعصابه جعلاه يتجاوز الاختبارات والحيل التي لجأت فهيمة إليها لاستدراجه وربما دفعه إلى الكشف عن مكنون صدره
تحاول الفتاة ألا تشغل ذهنها، لكنها سرعان ما تعود وتلاحظ كثرة غيابه. غير أن الأحجية بقيت غامضةً تبحث عن قطعة أخيرة

وفي صباح يوم جمعة كان حسين يحتسي كوباً من الشاي ويقلب صفحات الجريدة بيده الأخرى، حينما تذكرت الأم فجأة حكاية زيارة صديقه القديم طاهر له خلال فترة سفره. انتبه حسين وترك من بين يديه الجريدة متوقفاً عن قراءتها ليسأل أمه:
- هل قال لك أين يسكن يا نينة؟ أود أن أزوره
فتسرع سنية كأنها تتباهى بأن ذاكرتها لم تحنها هذه المرة.. فتقول:
- يسكن بجانب بقالة البحيري التي تقع قبالة قهوة عم داود
- عظيم، سأزوره اليوم إن أمكن ذلك. كم أود أن أراه هو ومحمود.. من يدري ربما نجتمع في شقته، مثل أيام المرحلة الابتدائية
وانتهى الحوار من دون هدف، فأكملت سنية احتساء قهوتها في حين واصل حسين مطالعة الصحيفة
وفي منتصف النهار، حيث ضوء الشمس ينشر حضوره الطاغي على سماء المدينة، ذهب حسين لزيارة صديقيه، ليفتح له باب البيت شاب أسمر, ربعة، تجمع نظرة عينيه بين السذاجة والبراءة.. يتطلع إليه حسين لأول مرة ثم يسأل قائلاً:
- مساء الخير.. هل طاهر ومحمود موجودان؟
فيسأل الشاب بصوته الممتليء:
- نعم.. من أقول لهما؟
- قل حسين .. حسين المنياوي
- عفواً..هل قلت حسين المنياوي؟
فيجيب حسين وابتسامته الواثقة تتسع:
- سيتعرفان علي بمجرد إبلاغهما بقدومي إلى المنزل
ينظر الشاب إلى حسين بعينين متسائلتين, ثم ينادي على صديقيه, فيأتي طاهر, وبعد لحظة يقبل محمود بعينين نصف مغمضتين كأنه كان مستغرقاً في النوم، أما عينا طاهر فتلتمعان وتتسع ابتسامته وتظهر غمازتا وجنتيه اللطيفتين، مرحباً:
- حسين المنياوي صديق عمري؟
يهز حسين رأسه موافقاً, فيضمه طاهر بين ذراعيه, ويربت على كتفه في ودٍ بالغ. يبادره حسين بالسؤال:
- كيف أحوالك يا صاحبي؟
- أنا بخير يا حسين, تفضل يا صديقي
حتى تلك اللحظة, لم يكن محمود دياب يتذكر جيداً زميل دراسته حسين, مع أنه لمس مدى عمق الصداقة التي تجمع بينه وبين طاهر ..غير أن حسين كسر حاجز الجليد بينهما سريعاً, وحاول إنعاش ذاكرته وسرد طرفٍ من حكايات الصبا, لتضيء ذاكرة محمود تدريجياً ويرتسم طيف ابتسامةٍ خفيفةٍ على ملامح وجهه. محمود هو محمود, احتفظ بالشخصية القديمة نفسها التي تظهر من الريبة والشك ما يثير لدى الآخرين شعوراً بالتحفظ وربما النفور من التعامل مع صاحبها. انطوائيته لا تخفى على أحد، لكنه لا يمانع في التعامل مع الآخرين ما داموا ضيوفاً لا رغبة لديهم في الإقامة طويلاً بين جنبات عقله أو ذاكرته. كان شخصية صامتة معظم الوقت، فلا يبدأ حديثاً ولا يطلق ضحكة ولا يفجر نكتةً تشيع أجواء من البهجة في جلسات الأصدقاء
مرت فترة من الأحاديث المتواصلة ومن ثم سألهما حسين عن ذاك الشاب الذي فتح باب الشقة, فاتضح أنه زكريا القناوي, صديقهما رقيق الحال الذي يتقاسم معهما بصعوبة بالغة وعناء شديد نفقات العيش في هذا المسكن المشترك
كم كان ذاك اليوم حافلاً بالأحاديث والحكايات, حتى إن حسين أصر على دعوة طاهر ومحمود وزكريا لزيارته في منزله. أشرق وجه طاهر الذي بدا أكثر الثلاثة سعادةً بهذه الدعوة الكريمة... فهو لم ينس يوماً تلك الملامح المتدفقة بالبراءة والجمال لفهيمة المنياوي. ومع أن الظروف لم تسمح له من قبل سوى بتبادل التحية العابرة فإنه كان يشعر بشيء غامض يهز مشاعره كلما وقعت عيناه عليها
وفي نهاية اليوم الطويل, ودع حسين أصدقاءه الثلاثة, وعاد متأخراً إلى المنزل ليحكي بسرور لكلٍ من أمه وشقيقته عن لقائه بعد طول غياب مع أصدقائه القدامى, كأنما طفل صغير يحكي عن مغامرة شائقة حدثت له للتو
أما فهيمة فلم تكن تلقي بالاً لهذه الحكايات، سوى لمجاملة شقيقها الأكبر.. لم تكن تشعر بأي شيء عندما يتردد أمامها اسم طاهر، الذي كان يذوب عشقاً لمجرد ترديد اسمها أمامه

Saturday, March 10, 2007

مصر في حارة: 9



هنومة نصار
" 9 "



مقبولة الوجه..شعرها البني تختلط به خصلات مصبوغة باللون الأشقر.. ملفوفة القوام مع ميل واضح إلى الامتلاء لم تكن الملاءة السوداء قادرة على إخفاء انحناءاته الأنثوية..ابتسامتها الواسعة تكاد تلغي باقي تفاصيل المساحة بين أذنيها..صوتها العالي طاغيةٌ يسود المكان، وضحكتها المجلجلة تستمتع بالصخب، في حين تطلق نظراتها الجريئة سهامها التي لا تخطيء الهدف. ضاق جسدها المكتنز بثوبها الأحمر الذي تزينه رسومات كبيرة للورد والفراشات الملونة

أطلت برأسها من حنطور كبير, ثم تحركت ببطء خارجة منه لتلمس أرض الحارة.. أخذ كل من فهيمة وحمدان يتابعان في ذهول تلك الوافدة الجديدة على الحارة. نظرات التقطتها السيدة التي تجاوزت سن الثلاثين


اقتربت من فهيمة حتى غطت ظلالها وجه الفتاة، ثم وضعت يدها تحت ذقنها، قائلةً بأسلوب متوددٍ:


- ما شاء الله، الله أكبر. كم أنت جميلة, ما اسمك يا شاطرة؟

لم تبتسم فهيمة التي تضايقت من الروائح العطرية النفاذة التي حاصرتها فجأة، بل أجابت بصوتٍ يفتقد حرارة الترحاب:
- اسمي فهيمة, ومن أنتِ؟
- أنا ساكنة جديدة في الحارة..
اسمي هنومة

وبينما كان الحديث دائراً بين هنومة وفهيمة, لاحظ حمدان أن خطى تلك السيدة جهة سيرها تتجه إلى المبنى القديم الذي يعيش فيه مع عائلته, فأشار بسبابته إلى المبنى وقال متسائلاً:

- أنت قادمة إلى هذه العمارة يا أبلة؟

أجابت هنومة بابتسامتها العريضة حتى بانت الغمازتان اللتان تزيدان من ملاحة وجهها:
- نعم يا حبيبي.. سأسكن في الدور الأول

هتف الصبى في حماس:

- أتعرفين؟ أنا والعائلة نعيش من زمان في تلك العمارة
- عظيم، ستكون بيننا إذاً علاقة محبة ومودة

ساعدها كل من حمدان وفهيمة في حمل حقائبها الثقيلة وأغراضها الكثيرة, ثم ذهبا إلى بيتهما وأخبرا أمهما عن تلك الجارة الجديدة. وبطيبتها المعتادة تساءلت الأم في فضولٍ قائلة:
- جارة جديدة؟ سأزورها غداً إن شاء الله ربما تكون في حاجة للمساعدة في ترتيب بيتها. أما اليوم فسأتركها لترتاح قليلاً

ومع إطلالة الصباح تقف سنية على باب شقة الساكنة الجديدة وتطرق عليه لتفتح لها هنومة مرتديةً قميص نوم لونه أصفر باهت, في حين تحيط رقبتها المكتنزة بسلاسل ذهبية ثمينة ويتدلى من أذنيها قرطان ذهبيان دائريان كأنهما حلقة نار يقفز منها لاعبُ سيرك.. لكنها لم تكن تضع مساحيق الزينة التي كانت تتزين بها عندما قابلت فهيمة وحمدان

بادرتها سنية باسمةً:

- مساء الخير. أنت الست هنومة جارتنا الجديدة؟
- مساء النور..نعم..أنا هنومة
- أنا سنية أم فهيمة, الصبية التي تحدثت معها البارحة
- آه.. تفضلي بالدخول يا حبيبتي. البيت بيتك
تسمح هنومة لسنية بالدخول وتستأذنها للحظات, فتبدأ الزائرة رحلة الاستطلاع الفضولي والنظر في أرجاء الشقة وأثاثها الجديد الذي يدل على الحالة الميسورة التي كانت عليها هنومة

الصالة الكبيرة تتوسطها مائدة طعام ذات كراسٍِ خشبية بينة اللون ومساند من القطيفة. وفي الصالون الذي تغطي شرفاته ستائر حريرية بيضاء تحتل أريكة وثيرة موقعاً رئيسياً، وإلى أمامها مائدة صغيرة ينام عليها إناء للزهور ومنفضة سجائر أنيقة. وعلى الجدران تطل صور عدة تشم منها رائحة الزمن. الجرامفون القديم كان مستنداً على قاعدة خشبية ذات لونٍ بني داكن في أحد أركان الصالة كأنه شيخ وقور غارق في التأمل..جرامفون؟ كانت سنية تحلم دائماً باقتناء مثل هذا الجهاز على سبيل الوجاهة لكن ثمنه كان يفوق قدرات عائلتها
وسط اندهاش سنية من فخامة الشقة وحسرة عينيها اللتين كانتا وسيلتها لالتقاط صور فوتوغرافية تحفظها في ذاكرتها عن منزل الجارة, عادت هنومة إليها بابتسامتها العريضة وصوتها المرتفع مرحبةً بالزائرة

بدت الجارة الجديدة وهي تسير بدلال في شقتها كأنها قطعة جيلي تهتز في طبق تكاد تقفز منه إلى الخارج...مشهد قد يسيل له لعاب الرجال


هبطت هنومة بأرطال لحم جسدها البض على الكرسي الخاص بها وهي تقول لزائرتها:
- فهيمة ابنتك جميلة للغاية, وحمدان مثل الشربات

ردت سنية وقد أشرق وجهها:

- عندي ابن أيضاً درس الطب, ما شاء الله شاب مثل الورد, اسمه حسين. الذرية الصالحة فضل من عند الله ونعمة
- آه طبعًا. أنا عندي ابن اسمه عادل, في الثالثة من عمره, هو ابني الوحيد من طليقي الأخير محمود

ابتسمت الست سنية, ثم قالت بفضولٍ, باحثةً بعينيها الحائرتين عن عادل:
- وأين هو ابنك؟ لم أره بعد
- عادل ليس هنا, بل إنه يعيش مع والدتي في الأنفوشي بالإسكندرية, وأزوره كل جمعتين
- لماذا ؟ الأطفال نعمة من عند الله
- طبعاً طبعاً.. لكن ظروف عملي صعبة، وتأخري خارج المنزل يجعلني غير قادرة على رعايته..فهو ما زال في سن صغيرة
- عملك؟..ماذا تعملين يا أم عادل؟

بلهجةٍ فاترة جاءت إجابة هنومة:

- راقصة

ارتبكت سنية من وقع المفاجأة كأنما وجدت نفسها فجأة في مواجهة قطار يسرع باتجاهها, فقالت والكلمات تتعثر على شفتيها:

- ماذا؟ راقصة؟..أعوذ بالله..ربنا يغفر لك
رفعت هنومة حاجبيها المزججين كخط رفيع قبل أن ترد بحسمٍ ولهجة مستنكرة:
- لماذا؟ هل الرقص سيء إلى هذا الحد؟

هبت سنية من مجلسها واستأذنت في الانصراف لتفر من منزل هنومة هاربةً بأقصى سرعة كأنها تبتعد عن وباء الطاعون, في حين بقيت هنومة جالسةً ببرود شديد على كرسيها المرتفع, لا يشغل بالها شيء ..ربما هي حالة من عدم الاكتراث برأي الآخرين ونظرتهم إلى مهنتها بعد أن اعتادت على نفورهم ممن تعملن راقصات. كانت تعلم منذ البداية أنها لن تحظى بالعديد من الجارات في الحارة بسبب عملها كراقصة. قالت لنفسها: "نساء تافهات ورجال أكثر تفاهة.. يتهربون مني لكنهم حين يريدون إحياء أفراحهم وإدخال السعادة والسرور على قلوبهم لا يجدون غيري لإسعادهم وإحياء لياليهم الساهرة.. مسكينة الست سنية"

وعلى درجات السلم المؤدية إلى شقتها، كانت سنية تحوقل وتستغفر قائلة: "راقصة! أستغفر الله العظيم من كل ذنب عظيم. لم يكن ينقص الحارة إلا هذا"..في حين كان صوت هنومة يتناهى إلى سمعها وهي تدندن بأغنية عابثة من تلك التي اعتادت أن ترقص على إيقاعها في الأفراح والليالي الملاح

وما بين درجات السلم المؤدية إلى الطابقين اللذين يفصلان بين منزلي المرأتين، كان هناك عالم واسع شاءت الظروف أن يجمع بينها في الحارة ذات الدروب الضيقة

Friday, February 9, 2007

حارتى البسيطة..و"الشارع" الكبير


كان ذلك فى نهار يوم الجمعة، 9 فبراير: نهار المفاجأة الرائعة التى دفعتنى إلى التحليق كأننى طائر السعادة والفرح

كان الهواء شديد البرودة عندما استيقظت متأخرة ومتكاسلةً قبيل الظهر، وبدأت روتين حياتى اليومية فى آخر أيام إجازة منتصف العام الدراسى. ولما عاد أبى إلى المنزل فاجأنى ببضع أوراق يحملها بين يديه. ظننت فى البداية أنها أوراق خاصة به، لكننى اكتشفت لاحقاً أنها تتعلق بى شخصياً، إذ وجدت بها مقالة مدهشة تتحدث عن تجربتى الصغيرة فى كتابة روايتى البسيطة: مصر فى حارة

كانت مفاجأة عقدت لساني.. إنها المرة الأولى التى أجد فيها شخصاً آخر غير أبى يهتم بى إلى هذا الحد الكبير، ويشجعنى ويزودنى بالنصائح التى تهدينى إلى تجربة أكثر عمقاً فى عالم الرواية. أخبرنى أبى أنها مكتوبة فى مدونة تدعى "الشارع" بقلم الأستاذ عبد الحق

خفق قلبى بشدة وتسارعت دقاته، وسيطر الفضول على عقلى حين أخذ أبى يقرأ علىّ بصوته الهادىء المحبب إلى النفس ما هو مكتوب فى تلك الأوراق المطبوعة من مدونة "الشارع". ومع كل سطر كنت أكتشف عالماً جديداً كان أبى يحدثنى عنه دائماً بثقةٍ وتفاؤل: الذين يعطون من قلوبهم وأرواحهم ولا ينتظرون المقابل

وجدت فى التدوينة نقداً شاملاً أدهشنى، كما قرأت فيها مجموعة من الملاحظات والتعليقات المهمة التى ستفيدنى فى الكتابة الأدبية وعندما أحاول كتابة أى محاولات إبداعية جديدة فى المستقبل إن شاء الله

تعثرت الكلمات بين شفتى ولم أقدر إلا أن أبتسم وأتأمل الكلمات التى شجعتنى كثيراً و أفادتنى، بل لم أدر ما أفعله. لم تكن الكلمات كافية كي أجيب على تلك الكلمات الراقية، ولم أكن لأستطيع أن أرد بالعرفان المناسب لهذا الجهد الكبير وتلك الأوصاف الرائعة التى أهدانى إياها صاحب مدونة "الشارع" مهما حاولت أن أفعل

الشكر سيظل أقل مما ينبغى والتقدير سيكون دائماً متواضعاً بالمقارنة مع هذه التدوينة الاستثنائية التى منحتنى شعوراً يفوق الوصف والخيال

أنا محظوظة

نعم.. فقد كتب عنى صاحب مدونة "الشارع" مقالاً له طعم خاص ووقع رائع على عقلى وذاكرتى، مثلما كتب لى الدكتور أسامة القفاش من قبل رسائل عبر البريد الإلكترونى نبهتنى إلى أخطاء كنت أقع فيها بحكم تواضع تجربتى وخبرتى فى الكتابة.. كما التقيت مرة الروائى الشاب محمد علاء الدين الذى استفاض فى الكلام عن أسلوب كتابة العمل الأدبى، وكنت أتابع حديثه باهتمام شديد. كذلك وجدت تعليقات مهمة ومشجعة من سامية جاهين وتوتا ورات وشروق وشريف نجيب وعدد كبير آخر من المدونين تجعلنى أحس بأننى أكتسب منهم خبرات شديدة الثراء تضيف إلى رصيدى الكثير

اليوم الجمعة حمل لى شعوراً مختلفاً عما أشعر به كل صباح، خاصةً عندما فتحت مدونة "الشارع" للأستاذ عبد الحق ذات الموضوعات الهادفة التى جذبتنى إلى قراءتها والاطلاع عليها، وأنا أرجو من الله أن ينال باقى فصول قصتى اهتمامه وإعجابه، وأن أكون دوماً عند حسن ظنه، حيث علمت من أبى أنه رجل مثقف ذو خبرة كبيرة ورؤية عميقة. وما زلت أذكر رد فعل أبى عندما علم فى بداية رحلتى مع التدوين أن هذا الكاتب المحترم ترك تعليقاً عندى، إذ قال لى: عبد الحق كتب لك؟ هذا رائع.. أتعرفين قيمة هذا الرجل؟.. ثم أخذ يحكى لى عنه بكل تقدير وإعجاب

ومن يومها وأنا أفرح كلما أرسل لى تعليقاً أو ملاحظة بخصوص روايتى الأولى. وقد اقتنعت شخصياً بثقافته العريضة فى الأدب والسياسة عندما طالعت مدوناته، حيث إنه يكتب موضوعات هادفة بطريقة منظمة وبسيطة، وتأكدت عبر أسلوبه الرصين والسلس أنه يحب ما يكتب ويملك رسالة وأفكاراً جادة يريد توصيلها إلى القراء

أستاذ عبد الحق: أشكر حضرتك شكراً جزيلاً مرة ثانية لاهتمامك بى، كما أشكرك على الشعور الجديد الذى شعرت به عند قراءة ما كتبت من ملاحظات. أرجو ألا تبخل علىّ بتعليقاتك النافعة وأن تخبرنى برأيك وملاحظاتك على فصول قصتى وأسلوب كتابتى

أنا من اليوم أعتبرك صديقاً كبيراً وأستاذاً أتعلم منه كيف أشق طريقى فى عالم الكتابة.. وكم أتمنى من كل قلبى أن أحقق فى المستقبل ما يتفق مع الرؤية المشرقة التى تتوقعها لى، وأن أستحق يوماً ما هذا "السلام المربع" الدافىء الذى منحته لى

الله.. ما أجمل يوم الجمعة

Thursday, February 8, 2007

مصر في حارة: 8

حسين رضوان
" 8"
ساد الظلام الدامس أنحاء الحارة، وبسط الهدوء نفسه على أرجائها بعد يوم آخر من الحركة والجلبة والصياح والعمل المتواصل. نام بعض أهالي الحارة استعداداً لأيام مقبلة من العمل والبحث عن الرزق في دروب الحياة، وسهر فريق آخر بحثاً عن الألفة مع الأصدقاء والأصحاب، لكن الغالبية لزموا بيوتهم بسبب برودة الجو

وحده الهدوء كان سيد الموقف

حتى أصوات الحوارات الثنائية والنقاشات حول شؤون وشجون الحياة كانت تنتقل كالعصافير في تلك الحارة الشعبية الوديعة.. الموسيقى التي تتسلل من شباك أحد الساهرين، والصوت المنبعث من جهاز تليفزيون يعرض فيلماً كلاسيكياً قديماً.. كلها تلاقت في أجواء الحارة، في حين أخذ كل واحد يسبح في عالمه الخاص

أما الهدوء فكان يتولى توزيع تلك الأصوات على البيوت المتراصة بقسمةٍ عادلة.. أصوات قد لا يسمعها الناس في النهار حيث تختلط نداءات الباعة الجائلين ولهو الأطفال ونميم الجارات المتبادل عبر الشرفات الخشبية والمشربيات التي تفوح منها رائحة التاريخ
كان حمدان مستلقياً على سريره، وقد بدأ يغوص في دنياه الصغيرة، عندما سمع نداءً ملؤه اللهفة:
- يا رضوان أفندي .. يا أم حسين ..استيقظا
هذا الصوت الخشن..مألوف.. مُنتظر كأنه نبي.. خفق قلب الصبي، وانتبهت حاسة السمع لديه لتلتقط تفاصيل الصوت للتأكد من هوية صاحبه .. بكل دقة ممكنة، ولم تكن الدقة من عاداته

صوت جعله يتجمد في مكانه, أيقظ أحاسيسه لتتدفق دماؤه في شرايينه كأنها في حالة تأهب واستنفار, فأطل برأسه من النافذة واللهفة تسري في عروقه الساخنة. إنه يأمل بأن يكون ظنه صحيحاً

نظر بعينين يملؤهما الأمل فرآه بوضوح

إنه حسين.. أخوه الغائب منذ سنوات، يقف تحت النافذة..ها هو حسين بقامته القصيرة وبنيته العريضة..ها هي عيناه الذكيتان ووجنتاه المنتفختان، كل شيء مضبوط، فيصيح الفتى منادياً بلهفة:
- حسين؟ حسين أخي؟
ابتسم حسين -فيرى أنها نفس الروح العميقة- وأجاب مداعباً:
- نعم، أنا يا أستاذ حمدان. افتح لي الباب بسرعة، أو نادي على أم حسين أو أبيك، أسرع يا ولد!

يكاد الفتى لا يصدق نفسه بعد ذلك الانتظار الطويل, فيقف لفترة طويلة دون حركة، وعيناه تلتمعان ببريق الفرحة واللهفة على أخيه, فيناديه حسين كأنما يوقظه من حلم:
- نمت يا حمدان ؟!
يقهقه حمدان من قلبه, ثم يركض إلى غرفة والديه النائمين ليوقظهما من عالم السكون إلى دنيا المفاجآت، ثم ذهب يسابق خطاه ليوقظ فهيمة, والابتسامة تعلو وجهه, فيفتح الأب باب العمارة بعباءته البيضاء الهفهافة، وعلى شفتيه ابتسامة عريضة، وقلبه ينبض بالسعادة والأمل.. الصفات التي فقدها -وربما افتقدها- لبضع سنوات مضت

من وسط سحابة دموعها تراه الأم سنية، ثم تتأمل قسمات وجهه التي كانت قد حرمت منها لفترة ظنتها دهراً, فتخال أنها تحلم, لكنه يبدو لها على أي حال مثل رؤيةٍ رائعة تأتيها في منامها.. وهو أيضاً، اشتاق إلى كل تلك الصور والوجوه التي أمامه: دوامات الحنين تصنع فينا كل ما ما يشكل وعينا في لحظات

إنه يشتاق إلى هذا العناق حين ضمته أمه بين ذراعيها الممتلئتين, فينضم إلى أعماق طرية, والدموع تتساقط من عينيها العسليتين. ها هو يعود طفلاً إلى حضن أمه كأنه يتكور ليصبح جنيناً يعود إلى رحم تلك السيدة التي تنظر بدورها إلى السماء الداكنة، وتلهج بالشكر:
- الحمد لله يا رب.. الحمد لله
يضم رضوان أفندي ابنه البكر ويحمد الله ويشكره هو الآخر. تقع عينا حسين على أخته الصغيرة, فتغرورق عيناها بالدموع, لكنها تتحرك من على السجادة ذات النقوش القديمة، وبعد دقيقة تضع يدها اليمنى تحت أنفها الدقيق, وتزغرد تلك الزغرودة التي ترن في أذن كل فرد من أفراد الحارة، ثم ترفع يديها وتهتف من قلبها:
- الحمد لله يا رب العالمين
والزغرودة تتكفل بتحريك الجو الهاديء في الحارة كأنها إعلان غير مدفوع الأجر عن وقوع حادث سعيد، فيتمتم بعض متسائلاً في فضول: "خير إن شاء الله"، في حين يصبح للزغرودة صداها الفوري، فترتفع زغاريد الرد من جنبات الحارة، حتى قبل أن تفهم كثيرات حقيقة ما جرى
يدخل حسين منزله بخطى صغيرة، وعينين تتأملان وترصدان لمسات التغيير بفعل الزمن الذي غاب فيه عن المكان، فتقول له أمه:
- يا حبيبى.. لن نسمح لك أبداً بالخروج من البيت قبل أن نشبع منك ومن الحديث معك ومعرفة أخبارك.. لكن قل لي في البداية ما الذي أخرّك كل تلك المدة الطويلة؟
ينظر حسين إليها لدقيقة وكأنه على وشك أن يقول شيئاً، ثم يهز رأسه ويهمس:
- أنا غاية في السعادة لأني عدت إلى بيتى وأهلي وناسي... والله لم أنس أحداً منكم، ولو ليوم واحد
تشيع البهجة دفئاً خاصاً في أرجاء المنزل، إلى أن أحضرت فهيمة وعاءً فيه ماء ساخن وهي تقول باسمة لدى جلوسها عند قدمي حسين:
- سأغسل قدميك بالماء الساخن المنعش

وما إن شمر حسين عن قدميه ويرفع أطراف بنطاله الرمادي اللون, حتى لاحظ الجميع تغير لون رجلي الشاب العائد واحمرارهما, فتشهق الأم وتتساءل في حنو:
- خير يا ولدي, ماذا حدث لقدميك؟
ضحك حسين على انفعالها, فقال مبتسماً:
- لا شيء يا أمي, لا تجعلي من أتفه سبب مشكلةً ضخمة! ربما التهبت قدماي خلال يومي الطويل إلى أن عدت إليكم . لا تقلقي عليّ بعد اليوم يا أم حسين
ارتسمت على وجه سنية ابتسامة اطمئنان, ثم قالت بهدوءٍ وحنان:
- وما الذي جعلك تغيب عنا يا حبيبي طوال هذه السنوات؟ ولماذا كانت رسائلك قليلة وتأتينا على فترات متباعدة؟

احمر خدا حسين فجأة, فقال والكلمات تتعثر على شفتيه:
- ليس هناك من سبب معيّن, لقد طالت مدة المنحة, ونسيت في غمرة الدراسة ومتطلباتها الوقت والزمن. المهم أن المنحة انتهت وأنني عدت إليكم.. سأستقر معكم إلى الأبد, ولن أسافر مرة ثانية أو أبتعد عنكم إن شاء الله

ابتسمت سنية في رضى وسعادة, وشعرت بأن الدنيا عادت لتمسح عنها دموعها وتغسل قلبها من الأحزان التي سكنت قلبها لسنوات طويلة
لكن السعادة طائر لا يقيم طويلاً ولا يعرف كيف يصنع له عشاً في قلوبنا.. والفرحة تفهم فقط لغة الترحال كأنها لا تحب الاستقرار في مكانٍ ما

السعادة؟
إنها استراحةٌ قصيرة وسط عذابات كثيرة

Thursday, January 11, 2007

مصر في حارة: 7







سلوى مقار
" 7 "



هو لا يتوقف عن الغناء و الطرب على أرصفة الحارة الضيقة. يشبع حاجاته واحتياجاته من الطرب والغناء.. يعلو صوته المجلجل المتميز, فيسمعه جميع أهالي الحارة بآذان منصتة وصاغية وربما يلتفون حوله... يغني ويطرب عن الحب والكراهية والظلم والعشق والخداع, فيكسب بعض المال، قبل أن يقفل عائداً إلى منزله الذي يقع في حارة مجاورة لحارة الشرف

نعم, إن هذا هو عمله, يؤدي بإتقان الأغنيات والأدوار والمقامات التي لا تنسى من التراث الغنائي على الأرصفة الخالية, ويتحول في لحظات التجلي إلى إذاعة خاصة لهؤلاء البسطاء الذين يلحون عليه كي يؤدي أغنية تعلقت بذاكرتهم وربما لامست قلوبهم، فيتسجيب في رضى وسماحة.. قبل أن يضع عدد من المتجمهرين حوله بعض ما تجود به أنفسهم من مال في الصندوق الصغير الذي زينه برسومات وصور له ولقب خلعه على نفسه: سلطان الطرب

يجلس أبوه العجوز على كرسي خشبي بجواره, حيث لا يكف عن مطالعة الجرائد ومتابعة الأحداث المنشورة كأنه يبحث عن خبرٍ ما ينتظره.. لكن أذنيه دائماً مع الابن بصوته الرخيم كأنه رغيف ساخن به قطعة حلاوة.. فتسمع الأب يقول بإعجاب "الله" كلما أطربه صوت ابنه الشجي

وعلى مقربة منهما تتبادل سنية الحديث مع سعدية عبر نوافذ ذات المشربيات التي تنفتح وقت اللزوم على عالم الحارة, فتبادر سنية بالقول لصديقتها:
- لاحظي يا سعدية تلك النظرة الحزينة التى تشع من الابن, وأبيه صموئيل مقار!
ضحكت سعدية ملء فمها حتى بانت أسنانها، وقالت وهي تأخذ رشفةً من قهوتها الحارة:

- ماذا ألاحظ يا أم حسين؟ صموئيل مقار وابنه ناجي مجنونان للغاية...آه و الله. لم أسمع أبداً عن شخص يعمل في الشارع مطرباً. من يسمح لنفسه أن يغني ويطرب في منتصف الشوارع؟ أي جنون هذا؟ لست أتصور شخصاً يكسب المال بهذا العمل.. ثم إنها ليست وظيفة.. وهي أيضاً عمل غير مستقر.. يوم فلوس.. ويوم لا

- والله عندك حق, لا أحد يتعامل مع الأب وابنه, لكن هناك من يحب أن يسمع صوت الابن, بدليل أنه يكسب المال من تلك الوظيفة

كانت سنية محقةً في رأيها.. هناك بالفعل من يحب ويعشق صوت الابن ويسمعه يومياً وهناك من يمنحه بعض المال لذوقه في اختيار وأداء الأغنيات.. كانت على حق أيضاً عند قولها إنه ليس هناك الكثير من أهل الحارة ممن يتعاملون معه خارج نطاق الغناء.. وكان أبوه, صموئيل مقار, أباً أرمل له ولفتاة صغيرة, تماثل فهيمة في العمر أو أصغر منها بقليل تدعى سلوى. لم يكن أخوها ناجي ولا أبوها صموئيل يسمحان لها بالنزول إلى شوارع الحارة المزدحمة كثيراً, وكانا يطلبان منها أن تلهو مع جيرانها في فناء المنزل القديم.. ربما لأنهما كان يخشيان من ألسنة اهل الحارة ويريان أنها إذ نزلت أو حتى لمست أرض الحارة, سيكون هناك العديد من الأشخاص الجاهزين لجرح مشاعرها والاستهزاء من عمل أخيها، في مجتمع ينظر إلى الغناء في الشوارع باستهجان ويعتبره في النهاية نوعاً من التسول

وذات يوم أخذت سلوى تبكي وتلح كي تنزل إلى الشارع لمدة صباح واحد, تلعب وتلهو كجميع أبناء الحارة, فوافق الأب صموئيل بعد تردد كبير وطويل.. ركضت الصغيرة على الفور بسعادة حتى رأت بعينيها الجميلتين ذلك الشارع الضيق.. لحظتها شعرت بالهواء النقي يداعب وجهها ويلامس جسدها الغض ويعبث بشعرها الكستنائي القصير. فجأة لمحت فتاة وصبياً صغيراً, فراودها إحساس أقرب إلى اليقين: إن اللعب معهما سيكون شائقاً ومسلياً

اقتربت منهما ببطء وقالت برقة:
- مساء الخير
- مساء النور, من أنت؟
- أنا سلوى, وأنتما ؟
قال الفتى:
- أنا حمدان .. وتلك أختي فهيمة

نعم, إنهما فهيمة وحمدان اللذان اندمجا معها بسرعة كأن ثلاثتهم أصدقاء العمر..وسرعان ما اتخذ الشقيقان منها صديقة, لعبت وركضت لتسابق الريح وسط ضحكاتها الطفولية, ووجداها تملك من الطاقة والحيوية ما أضفى عليها جمالاً أخاذاً.. فقال لها حمدان:
- غريبة يا سلوى, كيف لم نر وجهك من قبل. أعتقد أنك لا تلعبين هنا كثيرًا, لكن أنت ابنة مَن في الحارة؟

خفق قلب سلوى وترددت, ثم قالت في ضيق اختلط باضطرابها:
- ابنة الجزار أو النجار, أو حتى العفريت الأزرق, ماذ يهم؟ لا يهم ابنة مَن.. المهم أن اسمي سلوى

ابتسم حمدان بود وبراءة. وبعد فترة صمت قصيرة دس يده في جيبه وأخرج منها كنزه الكبير: قطعة حلوى كان قد اشتراها في الصباح..منحها بود إلى صديقته الجديدة التي أخذتها وهي تشعر بالفرح كأنه منحها ثروة ضخمة..قبل أن يقول حمدان:
- عندك حق يا سلوى. والآن, هيا لنجد لعبة حلوة نلعبها معاً, لنغني سوياً, وسنرى من صوته الأجمل

وافقت سلوى على اقتراح الغناء, ووجدته لعبة مسلية فأخذت تصدح بأغنية "أوعى تكلمني, بابا جاي ورايا"

صوتها الذي ينساب كنهرٍ متدفق أدهش الطفلين الآخرين..فقالت فهيمة بأسلوبها المتكبر:
- صوتك جميل يا سلوى يا بنت الذي لا نعرفه, لكن صوتي أنا الأحلى
وافق حمدان على ما قالته شقيقته بشأن صوت سلوى:
- نعم, صوتك عجيب.. كأنك تغنين باستمرار

ثم قال فجأة:
- عندنا في الحي رجل اسمه ناجى مقار, أو ناجى صموئيل مقار ... صوته رائع, أحب أن أسمع صوته, لكن هناك من قال إنه متسول, يكسب ماله من الغناء في الشوارع وتسول النقود بهذه الطريقة

ارتبكت وغضبت سلوى من الحديث عن أخيها الوحيد, وكادت أن تغير دفة الموضوع ولكنها وجدت نفسها تخوض معركة لم تكن مستعدة لها

فقد اندفعت فهيمة, وعلا صوتها الحاد وهي تهز رأسها في ضيق قائلة:
- لا تتكلم في سيرته, إنه مجنون
- لا.. ليس مجنوناً

عبارة وجدت سلوى نفسها تقولها بصوت مرتفع.. تعجبت فهيمة وقالت ببطء مع احتفاظها بأسلوبها المتهكم:
- كيف عرفت يا ست سلوى, إن شاء الله؟

بركان من الغضب انفجر فجأة في صدر سلوى, فصاحت قائلة وهي تحاول أن تداري عينيها عن الشقيقين:
- إنه ليس مجنوناً, هذا ما أعرفه.. فقط هو رجل فقير ومسكين, وهذا هو العمل الذي يجيده لكسب الرزق.. وهو لم يجد وظيفة أفضل ليعمل بها

ضحكت فهيمة وقالت بصوت جاف:
- من جميع هذه الأعمال في الدنيا, لا يجد وظيفة واحدة أفضل ؟
احتدت سلوى وكذلك الأمر بالنسبة إلى فهيمة التي قالت بطريقة مستنكرة لا تخلو من استهزاء:
- ما حكايتك يا سلوى هانم؟ لا نعرف اسم أبيك , ولا نعرف حتى اسم والدتك, وهذه هي أول مرة نلعب فيها معك. ثم نجدك تدافعين عن الرجل الذي لا يتعامل معه أحد
- أنا أفهم جيدًا من الرجل الصالح, ومن الذي ليس صالحاً, هذا كل ما في الأمر

اختنق صوت سلوى حتى كادت أن تطفر الدموع من عينيها لكنها تتوقف وتمسح بدايات دمعتها الصغيرة, فتأخذ فهيمة يد أخيها الصغير, وتقول دون النظر إليها :

- لقد نسينا يا حمدان, لكن حذرنا أبانا من التكلم مع الغرباء

نظر حمدان إلى سلوى نظرة مليئة بالشفقة والحزن, في حين كانت فهيمة تسحبه من يده, فنادت عليهما سلوى لكن فهيمة تجاهلت نداءات الفتاة وزجرت حمدان حتى لا يرد عليها

انهار عالم سلوى فجأة فوجدت نفسها غارقة في البكاء الذي يمزق القلب..أخفت دموعها الساخنة عن نظرها كل الوجوه والصور التي تزخر بها حارة الشرف

لحظتها أقسمت بينها وبين نفسها بألا تلعب مع أحد في هذا الشارع مرةً ثانية


لحظتها انزوت تلك الفتاة الصغيرة وجرت أقدامها إلى منزلها الذي قررت أن يكون جزيرتها الوحيدة بعيداً عن محيط من البشر الذين اختاروا القسوة وانحازوا إلى الإساءة كأنها متعتهم المفضلة