Sunday, August 19, 2007

مصر في حارة: 12



سارة حسين
" 12 "

النهار الصامت في أوله..يشبه ليلةً لا تعرف أجهزة الأرصاد الجوية كيف تفسر مفاجآتها.

وفي ذلك النهار، كانت الدموع لغة الصمت ولعنة الانتظار.

كانت الأم سنية تبكي بحرارة، ولم يكن أحد يعرف هل كانت دموعها حزناً على المفاجأة الصاعقة التي تسبب فيها ابنها البكر حسين لزواجه من فتاة أجنبية خلال سنوات اغترابه، أم أنها كانت دموع الفرح واللهفة لرؤية الحفيدة سارة لأول مرة.

كانت سنية تفرك يديها في قلق وتوتر، كأنما اليدان تنتظران على أحر من الجمر احتضان الصغيرة سارة..خفقات قلب سنية كانت تتسارع كلما سمعت دقات الساعة الكبيرة في صالة المنزل. كانت تحث عقارب الساعة على أن تتعانق، حتى يمكنها أن تحتضن هي تلك الحفيدة.

وحتى تغالب دموعها وتشغل نفسها عن توترها وارتباكها،أخذت سنية تصرف ذهنها بكل الطرق عن فكرة الانتظار، فتنهمك في إعداد مظاهر الاستقبال وتنظيف أرضية المنزل وتلميع قطع الأثاث الخشبية التي تقادمت وذهب بريق لونها الأصلي بفعل الزمن. كانت تفعل كل هذا وهي تحاول أن ترسم على وجهها بين الحين والآخر طيف ابتسامة، سرعان ما تختفي بسبب غول القلق.

بعد ساعات طويلة بطيئة، فرغت سنية من تجهيز المنزل لاستقبال الحفيدة المنتظرة، ثم جلست مع حمدان في حجرة الاستقبال الصغيرة، في حين رفضت فهيمة الانتظار معهما وفضلت الاستلقاء على فراشها والغرق في بحر تأملاتها.

وقبل أن يودع قرص الشمس جوف السماء، لمح الأب رضوان أثناء جلوسه على مقعده الأثير في المقهى عربة حنطور تتهادى من بعيد, سرعان ما اقتربت ليظهر فيها حسين الذي أمر سائقها بالوقوف عند باب منزل العائلة، ونزل برفق وهو يحتضن سارة بين ذراعيه. كان رضوان يتابع المشهد، فآثر التريث قليلاً قبل أن يلحق بابنه وحفيدته دون أن يرافقهما إلى الشقة.

وما كادت سنية تسمع طرقات على الباب حتى أسرعت لتفتحه، لتجد أمامها حسين وهو يضم حفيدتها إلى صدره. لم تهتم سنية كثيراً للحديث مع ابنها بقدر ما كانت متلهفةً على احتضان الصغيرة. أخذتها من بين ذراعي حسين بعينين دامعتين، وأخذت تتأملها وتتفحص ملامحها وهي نائمةٌ في لفافة بيضاء كأنها طيفٌ من عالم الخيال.


وبالرغم من التأثر والجو المشحون الذي أحاط بأركان المنزل, كان رضوان ينظر إلى حفيدته بطرف عينيه، كأنها يختلس النظرات إليها، ويقاوم فكرة احتضانها، تأنيباً لحسين على زواجه دون علم الأسرة.


وبينما الأجواء تجمع بين الفرحة العارمة والتأثر الشديد، اقترب حسين من ابنة أخيه مبتسماً وعانق كفها الصغيرة فتمسكت بيديه وجمعت أصابعها الصغيرة وكل ملامحها تفيض بالبراءة والرقة، ثم أخذت تتفوه بكلمات لا معنى لها أو تصدر عنها أصوات طفولية، فانطبعت الابتسامة على وجه سنية، في حين نظرت فهيمة إلى الصغيرة في فضول، في الوقت الذي استغرقت فيه سنية في تلاوة آيات من القرآن وهي تمر بيدها على رأس حفيدتها.

كسر حسين حاجز الصمت، فقال وهو يبتسم:
- ما شاء الله, وجهها جميل. ألا تشبه فهيمة ؟
ظل سؤاله المجامل حائراً دون إجابة, فمط شفتيه وقال في براءةٍ كأنما يجيب على نفسه:
- أنا أقول إنها تشبه فهيمة.

6 comments:

Anonymous said...

Makine:

welcome back

konti fin ?

Eman Yasser said...

Anonymous:
شكراً لتعليقك .. بصراحة كنت مشغولة شوية فى فترة الدراسة ثم جاءت ظروف منعتنى قليلا عن الكتابة، وسيكون هناك فصول أكثر أثناء الفترة القادمة .. أرجو أن تنال إعجابك ..

Nostalgia said...

فرحان بيكي أوي يا إيمان .
فرحان أن حد عنده 13 سنة (مش صغيرة ولا حاجة والله ) وبيحب يقرا لعم نجيب محفوظ وبيكتب بأسلوب يخلي الواحد يغرق في الي بيقراه .
تسلم أيدك يا إيمان بجد
أوعي تبطلي كتابة

Eman Yasser said...

Nostalgia

شكرا على تشجيعك. أنا كمان قرأت ليوسف إدريس وبهاء طاهر وعبد الحليم عبد الله. أتمنى أن مستواي يكون أحسن في الرواية الجديدة التي انتهيت منها، لأن الرواية الحالية كانت أول تجربة كتابة لي باللغة العربية، وكنت أصغر في السن والفهم

السهروردى said...

العودُ أحمدُ كما يقال
:)
فى فترة غيابك قريت المدونة كلها وكنت مبسوط
والنهارده استفتحت يومى بعودتك وروحى انشكحت
:)

حسين طارق

Eman Yasser said...

السهروردي


أشكرك على تشجيعك.. بصراحة كلامك أسعدني لأنني كلما زاد عمري شهرا اكتشف أنني أصبحت أفهم أفضل وبالتالي ألاقي ما كتبته في البداية مستواه أقل مما أطمح إليه
شكرا لك تاني