Friday, May 23, 2008

مصر في حارة: 16



القاتل

" 16 "


صوت الطرقات المتلاحقة على باب المنزل، أفزع سنية التي اندفعت نحو الباب بخطى لا تتفق مع جسدها الذي أرهقته السنون وزادته البدانة ثقلاً. وما إن أدارت المفتاح وفتحت جزءاً من الباب الخشبي العتيق حتى اندفع حمدان الصغير إلى الداخل، كأنه فأر يفلت من مطاردة. حاولت سنية أن تمسح آثار النعاس على وجهها لتسأل ابنها عما به، لكنه عاجلها ما بين أنفاسه المتقطعة والدهشة البادية على ملامح وجهه ليقول لها:

- مفاجأة.. مفاجأة كبيرة يا أمي.. ألقوا القبض على القاتل..قاتل الست هنومة.. لقد اعترف بالجريمة
- ومن هو هذا المجرم الذي قتل هذه المسكينة؟
- لن تتخيلي ذلك. إنه محمود دياب , لا أعرف كيف. لا أعرف. محمود؟ ما علاقته بأبلة هنومة وكيف يقتل؟ .. كنت أظن أنه شخص مسالم وفي حاله
- محمود دياب؟ صديق حسين! لا إله إلا الله ... كيف؟ لا أصدق !
- لا أعلم يا أمي, لكن طاهر وحسين يقفان أسفل العمارة، أمام سيارة المباحث، والضباط على وشك وضع محمود في السيارة. لقد رأيت القيود في يديه والشرطي يمسكه بقوة


كان للخبر وقع الصدمة على الجميع، ولم تكن سنية من جهتها تتصور أن يكون محمود دياب قاتلاً، فصورته في ذهنها تتسم بنبل الأخلاق، فضلا عن كونه صديق ابنها
لم يكن أمامها سوى أن تتأكد بنفسها من حقيقة ما يجري


وما بين الترقب والفضول الذي تخالطه الرهبة وتوقع الأسوأ، سارعت إلى ارتداء العباءة بسرعة فائقة، دون أن يتوقف عقلها عن التفكير المشوش، في حين دَاخلَ قلبها شعورٌ بالمفاجأة الثقيلة على النفس. ما هي إلا دقائق حتى وجدت نفسها وسط بحر من الناس الواقفين على رصيف الحارة الملاصق لعمارتها ممن تجمعوا لمعرفة ما يجري


كان حسين واقفاً وسط هؤلاء وهو يمد يديه إلى الأمام كأنه يحاول التدخل دون أن يستطيع، وفي عينيه نظرة حزن وشفقة. أما طاهر فانخرط في نوبة بكاء مرير, فيما حاول محمود أن يخفي بكلتا يديه ملامح وجهه عن الجميع في المسافة القصيرة التي ظهر فيها على الملأ إلى أن اختفى داخل سيارة المباحث. وساعدته الأسلاك الممزقة في السيارة على إخفاء معالم وجهه

انحنى طاهر على ركبتيه و هو يردد دون وعي:
- لا أصدق, لا أصدق
بعد قليل، وجد طاهر نفسه في بيت صديقه حسين فيما أحاط بهما كل من الأم سنية والابنة فهيمة والابن حمدان

سألت الأم بحزن وعيناها مغرورقتان بالدموع:
- كيف يا حسين؟
نظر إليها حسين بحزن, قائلاً بصوت خافت:
- ألم تقل لكِ هنومة أن لديها ابناً؟
- صحيح, واسمه عادل
- عادل هو ابن محمود. لقد أنجبت منه عادل، بعد أن تعرف إليها محمود وهو في بداية دراسته الجامعية. علاقة عابرة لا أحد يعرف كيف بدأت وتطورت لتصبح علاقة زواج بين اثنين لا يجمع بينهما شيء.. لكن المحتوم وقع، لتدب بينهما الخلافات ، فقررت هنومة حرمانه من رؤية ابنه وأخفته عنه في الإسكندرية بحجة أنها راقصة وأن عملها لن يساعدها في أن ترعاه وتمنحه مشاعر الأمومة التي يحتاجها. ولهذا كان محمود على الدوام مهموماً وتغلب على وجهه التعاسة. كان يردد دائماً لطاهر أنه سيبقى حزيناً إلى أن يموت و ..
قاطعه طاهر, ليقول بصوت بدا خارجاً من بئر عميقة:
- لكن لم يفهمه أحد منا.. لم نفهمه
حاول أن يمسح دموعه، في حين أكمل حسين كلامه قائلاً:
- منذ أسبوع, زار محمود هنومة ورجاها أن تخبره بمكان ابنه, لكنها رأت الفرصة مواتية للنيل منه والانتقاص من كرامته، وسرعان ما احتد النقاش بينهما، فأخذت تجرحُ كرامته وتهدده وتصبُ عليه جام لعناتها.. ويبدو أن الشيطان لعب برأسه ودفعه في لحظة غضب إلى قتلها

بكى طاهر وهو يستمع إلى ما قاله حسين عن محمود صديقه المقرب إليه. لم تر سنية رجلاً يبكي بحرقةٍ مثلما كان طاهر يفعل
وعندما عاد رضوان أفندي من العمل حاول تهدئة طاهر الذي بدا في حالة انهيار يصعب معها احتواء مشاعره.. حتى فهيمة أخذت تواسيه تحثه بما تسعفها به الظروف


بدا طاهر كأن العالم من حوله قد تهاوى بضربة مطرقة، فارتمى في أحضان العزلة وسط جوٍ من اليأس والشعور بالقهر، نتيجة ما جرى لصديقه الأثير إلى نفسه


توارى طاهر وبقي لأشهر ٍ طويلة حبيس منزله، ولم يكن يقطع عليه عزلته سوى صديقه حسين الذي أخذ يزوره للاطمئنان عليه وتطييب خاطره. بذل حسين قصارى جهده كي يؤنس وحدة طاهر ويساعده على نسيان هذه الأزمة العصيبة.. غير أن المهمة بدت شبه مستحيلة

Thursday, January 24, 2008

مصر في حارة: 15





جريمة قتل


" 15 "


لكل نهار عنوان

وعنوان ذلك النهار كان تلك النسمة المنعشة التي هبت ولامست الخدود والجباه، لتمنح أهالي الحارة والمارة في تلك المنطقة لحظاتٍ نادرة من الراحة والطمأنينة
بدا كل شخص على حاله. الست سعدية تشتري لوازم قططها والحلوى والطعام. ناجي مقار يغني على الأرصفة بصوته الجميل الذي يملؤه الشجن. نجوى كريم تشتري هدايا للفقراء والمحتاجين من الأسر المتعففة, حسين يزور مع زوجته عائلة رضوان أفندي وزوجته سنية
لكن شخصية واحدة اختفت عن الأنظار كأنها فص ملح وذاب: الراقصة هنومة نصار
فقد انقطعت أخبارها ولم يعد أحد يراها وهي تخرج في أول المساء ثم تعود في وقتٍ متأخر أو مع ساعات الصباح الأولى
تبخرت هنومة، الأمر الذي أثار فضول وتساؤلات البعض
وفي يوم الجمعة, فتحت فهيمة باب المنزل لحمدان الذي قال بحماس ٍ طفولي مشوب بالخوف :
- الشرطة موجودة تحت العمارة, ويقول الجميع إن الست هنومة قُتلت
خرجت سنية من المطبخ وهي تشمر عن ساقيها وقالت وهي تمسك في يديها بإحدى حبات الطماطم التي كانت تجهزها لطبق السلطة ضمن طعام الغداء :
- قتلوها؟
بعد لحظة صمت، أردفت سنية قائلة: لا حول ولا قوة إلا بالله. هل عرفوا من القاتل؟
هز حمدان رأسه بالنفي, ثم قال بأسف:
- يقول شيخ المسجد عمر إنه رآها لحظة الجريمة, عند آذان الفجر, وهو من أبلغ عن الحادث, ولكنهم لا يعرفون من القاتل حتى الآن, لأن الشيخ رآه من ظهره عبر الزجاج الملون للنافذة ملونة, فكان من الصعب عليه أن يحدد ملامحه ويكتشف هويته
أطل الأسى من عيني سنية, وزفرت زفرة حارة قبل أن تقول بصوتٍ خفيض:
- ربنا يغفر لها و ينتقم ممن قتلها
ران الصمت على منزل عائلة رضوان..وخيمت أجواء من الحزن على أفرادها.. ولكن عندما عاد رضوان أفندي من العمل تسابق الجميع لإبلاغه بما جرى في غيابه، لتدور الحوارات والتخمينات بينه وبين باقي أفراد العائلة حول حكاية جريمة قتل هنومة نصار

وفي الحارة تتغذى النميمة على الفراغ القاتل، في محاولةٍ يائسة لكسر أجواء الرتابة والملل
وهكذا أصبحت جريمة قتل هنومة نصار حديث الجميع في تلك الحارة الوادعة.. حتى حسين انشغل في لقائه منتصف اليوم مع صديقيه طاهر ومحمود بموضوع الراقصة التي انتهت حياتها نهاية مأساوية يلفها الغموض
كانت بورصة التخمينات على أشدها بشأن حقيقة ما جرى لتلك المرأة، حين قال طاهر :

- أتوقع أن تكون قد انتحرت, والله أعلم
ضحك محمود, وقال بسخريته المعتادة :
- انتحرت؟ لا يا ذكي , لأنهم وجدوها مذبوحة بطعنة سكين.. عليك ألا تنسى أن شيخ المسجد رأى شخصاً ما يقتلها! هذا استنتاج يثبت تواضع ذكائك وضمورك العقلي أيها الخائب
لوح طاهر بيده, وبدا متضايقاً من سخرية صديقه بقدر ما شعر بالأسف لسقوط الفرضية التي وضعها وظن أنها تقدم حلاً للجريمة الغامضة
لكنه سرعان ما حاول الدفاع عن نفسه بالقول:
ربما كان الشيخ قد تخيل ما رآه.. إنه شيخ كبير في السن، والأكيد أنه فقد حدة الإبصار وقوة التركيز منذ زمن بعيد
جاءت سنية وفي يدها أكواب الشاي التي تهتز على الصينية حتى يكاد الشاي الذي تتصاعد منه الأبخرة يلامس الحافة، كأنه امرأةٌ تتدلل في غنج
شاركتهم سنية الحوار فقالت:
- المهم أن يغفر لها ربنا .. أستغفر الله
استمر الحوار طويلاً, تشعب في دروب مهنة الراقصة وعلاقاتها وعودتها إلى المنزل متأخراً، ودخل في متاهةٍ من التفسيرات والتأويلات، وتكررت كلمة "ربما" طوال النقاش
فجأة, سمع الجميع طرقات قوية ومتواصلة على الباب. جفلت الست سنية, وسرت في جسدها رعدة قبل أن تخاطب زوجها بصوت مهتز وأنفاس متقطعة :
- لابد أنهم المباحث .. افتح أنت الباب!
ابتسم رضوان وأشار لها بيده مطمئناً، ثم اتجه إلى الباب. وما إن فتحه حتى عقدت الدهشة لسانه، إذ وجد عند الباب أربعةً من رجال الشرطة يتقدمهم ضابط برتبة مقدم، لم يضيع وقته طويلاً، فأخذ يطرح أسئلة ويحقق بجفاء مع رضوان وزوجته التي كانت ترد بصعوبةٍ بالغة وأنفاسٍ متقطعة على تساؤلات ضابط التحقيق، وهي تحاول تمالك نفسها حتى لا تطفر الدموع من عينيها

وسرعان ما سأل الضابط عن مدى علم عائلة رضوان بأن هنومة كان لديها ابن ٌ يعيش في الإسكندرية، فأجابت سنية بأنها علمت بالأمر من هنومة وأن اسمه عادل. سجل مقدم الشرطة بعض الملاحظات والمعلومات التي استقاها من عائلة رضوان، وعدَّل قبعته الرسمية، قبل أن يستأذن في الانصراف ويأمر من معه بأن يلحقوا به. وفور خروجه أسندت سنية يدها اليمنى على أقرب مقعد في الصالون ذي اللون المذهب وأخذت تردد: الحمد لله.. الحمد لله
أما ابنتها فهيمة، فقد وقفت عند باب غرفتها وهي تضع يدها على صدرها، كأن عبئاً ثقيلاً انزاح عن صدرها

في ظهيرة اليوم التالي, كانت سعدية تتبادل أطراف الحديث مع سنية عبر الشرفة الصغيرة. دار الحديث حول هنومة، فلا شيء غيرها يشغل أذهان أهل الحارة. قالت سعدية:
- لا أعرف شيئاً عن الست هنومة, حتى إنني لم أكن أعرف أن هناك راقصة أصلاً في الحارة
ضحكت سنية ضحكةً قصيرة وهي تحتسي قهوتها، وتقول لنفسها كم هي كاذبة هذه الجارة. ثم قالت بهدوء:
- الحقيقة, زرت منزلها من قبل, وتكلمت معها وعرفت أن لديها ابناً من زواجها الأخير وأنه يقيم مع أمها في الإسكندرية. أثاث شقتها يدل على أن حالتها المادية ميسورة وبدت لي مرتاحة البال, لكنها لم تذكر أن لديها أعداء
- عجائب يا دنيا عجائب
- لم أكن أتوقع أن تحدث جريمة في الحارة .. جريمة!
- بعض الأشقياء في ليل الحارة يحملون المطاوي والسكاكين, وجرائم السرقة والسطو تقع بين الحين والآخر. لم تتعجبين ؟
- لا أعلم .. لكنها جريمة قتل يا سعدية!
- قلت لك, عجائب يا دنيا
ضحكت سنية على كلام سعدية، وواصلا الحوار الذي لا نهاية له

مضت شهور على هذا الحوار الذي يتساءل عن الضحية..والقاتل
وفي أحد أيام الخريف المعتدلة زار حسين صديقه طاهر في المنزل, ففتح له الأخير الباب وقال بحزن:
- مساء الخير يا حسين, تفضل
- مساء النور, ما بك؟
صمت طاهر قليلاً, ثم قال:
- سيسافر مصطفى اليوم إلى قنا, ولن يرجع القاهرة مرة ثانية
قال حسين كأنه يعاتب صديقه:
- مازلتُ موجوداً ..أنا ومحمود -
- محمود ؟ أنا ومصطفى لا نعرف مكان محمود منذ ثلاثة أسابيع, وأخشى أن يكون قد حدث له شيء, أو حتى وقع له مكروه..لا قدر الله
خفق قلب حسين, وتسرب إليه شعور بالقلق. اقترح على صديقه أن يمضيا سحابة النهار في البحث عن محمود، ربما يمكنهما الاطمئنان عليه ومعرفة سر اختفائه المفاجيء، فوافق. غير أن بحثهما كان بلا طائل, مع أنهما فتشا عنه في كل مكان وسأل عنه لدى أصدقاء مشتركين، وتفقدا عدداً من المستشفيات وبعض أقسام الشرطة

أخذ الإرهاق من طاهر كل مأخذ, وبدأ يشكو لحسين, ويعبر له عن ضيقه, لأنهما لم يعرفا سبب غياب صديقهما

وبعد خمسة أيام, كان الجميع على موعد مع معرفة الحقيقة المُرة .. معرفة قاتل هنومة نصار
صعق كثيرون حين علموا بهوية القاتل.. ربما لأنه كان آخر من يتوقعون أن يقف وراء تلك الجريمة المروعة

Thursday, November 29, 2007

مصر في حارة: 14



ليلى موسى


" 14 "




ذاع الخبر في أنحاء الحارة
عرفه البشر والحجر.. فور أن علمت به نجوى كريم. حاصر الجيران والمعارف أفراد عائلة رضوان المنياوي، وخاصة الابن حسين، وبدأت سلسلة لا تنتهي من كلمات المجاملة والتهنئة بالزواج وقدوم المولودة الجديدة، مع بعض العتاب لتأخير إعلان الخبر

تنفست أم حسين الصعداء بعد أن أصبح الخبر معلناً وشعرت بأن جبلاً من القلق قد أزيح عن صدرها.. فالأسرار لها دائماً ثمنٌ غال اسمه التكتم

ألح حسين على أفراد عائلته كي يلتقوا زوجته ليلى,الأمر الذي أسعد حمدان وأثار تبرم أخته فهيمة، وبدت سنية راغبة في ذلك بالرغم من ممانعتها حتى لا يغضب زوجها رضوان

وبعد استرضاء طويل ومحاولات متكررة، استسلم الأب بعد أن وجه إلى ابنه حسين كلمات قاسية لأنه جاء إلى العائلة بزوجةٍ لا يعرفون عنها شيئاً وتخالفهم في العادات والتقاليد

وفي منتصف النهار, كان قد حان موعد اللقاء المرتقب بين عائلة رضوان المنياوي وليلى زوجة حسين.. أول ما استرعى انتباه سنية هو تلك الجرأة -التي تصل في رأيها إلى الوقاحة- في تلك المرأة. قرأت في عينيها ولونهما الأخضر مكر الثعالب، ومطت فهيمة شفتيها في ضيق عندما نظرت إلى قوام ليلى الذي يتثنى في لؤم، وطولها الفارع وبشرتها العاجية التي تنضح بخليطٍ من البرود والقسوة

استقبلتها الأسرة بنوعٍ من الفتور المهذب بالرغم من الابتسامات المفتعلة وكلمات الترحيب الجوفاء، ونبرات الصوت التي حاول الجميع أن تبدو رقيقة. وكانت ليلى من الذكاء بحيث تشعر بهذا كله، فقررت أن تجاريهم وأن تبدي أمامهم مودة زائفة, وأن تظهر في صورة الزوجة المحبة والأم التي تفيض حناناً على ابنتها سارة

عاملت فهيمة ليلى بجفاءٍ كعادتها, واختارت ليلى تجاهل الأمر وإبداء المودة لأخت زوجها

كانت المشاهد التمثيلية المتتابعة في تلك اللحظات كافية لصنع مسلسلٍ تليفزيوني يستحق بعض الجوائز في الأداء

تكررت الزيارات بعد ذلك، ولاحظت العائلة حرص ليلى على التأنق وارتداء ثيابٍ ثمينة مختلفة في كل مرة. ولم تنس سنية أن تتمالك نفسها في أكثر من مناسبة لتوجه إلى زوجة الابن ملاحظاتٍ على انفراد حاولت أن تغلفها بالود، وتنصحها فيها بارتداء ثيابٍ طويلة تغطي بها مواطن جمالها، في حين كانت ليلى ترد بابتسامةٍ وهزةٍ من رأسها، تخفي بها ضيقها من هذه العائلة التي تحاسبها على كل شيء يخصها..حتى ملابسها



كانت المسافة بين ليلى وتلك العائلة شبيهة بالصدع بين جبلين.. فلا الجسور تنفع لردم الهوة، ولا المجاملات تكفي لرسم ملامح علاقة طبيعية بين عالمين مختلفين كل الاختلاف

لكن المفاجآت استمرت

فقد دعت ليلى والدتها كريستين لزيارتها في مصر. وجاءت الأم الإنجليزية، وبطبيعة الحال حدث التعارف بينها وبين عائلة زوج ابنتها. كما زارت عائلة رضوان في الحارة بهيرة شقيقة ليلى التي استقرت في مصر منذ صغرها مع أبيها المصري الذي توفي منذ عامين. كانت بهيرة طبيبة تتسم بالذكاء الفطري وتملك روحاً مصرية دافئة وخفة ظلٍ لا تخطئها العين

وجاء أيضاً نديم شقيق ليلى، الذي زار مصر خصيصاً لمقابلة عائلة حسين. وبدا مع مرور الوقت أن عائلة رضوان المنياوي لا تستلطف من عائلة ليلى سوى بهيرة، التي نجحت في كسر جدار التحفظ وتمكنت من الفوز بقلوب الجميع ببساطتها الآسرة وروحها المرحة، وضحكتها التي تشبه رنين الذهب

Sunday, September 9, 2007

مصر في حارة: 13



نجوى كريم


" 13 "


كانت سنية راقدة تحت دِثارها وجسدها يرتجف قليلاً بسبب البرد الذي أخذ يتسرب تدريجياً مع قدوم فصل الشتاء.. كانت عيناها معلقتين في فضاء الغرفة باتجاه السقف، حالمتين كعادتهما، في حين كان قلبها يحلق في دنيا بعيدة خالية من الأسى والتعب الذي تواجهه كل يوم، حتى سمعت طرقات على الباب، فنهضت بخطوات متثاقلة وهي تضع عليها عباءتها.

وما كادت تفتح الباب حتى ارتسمت ابتسامة على وجهها وخفق قلبها ..فنجوى كريم لا تزور منزلها إلا قليلاً.

كانت نجوى أكثر نساء الحارة تمتعاً بيسر الحال، وكانت غالباً ما تورد وجهها ووجنتيها البارزتين بالأصباغ والمساحيق وتلون شفتيها بأحمر الشفاه اللامع وتزين عينيها بالكحل. وكم كانت نساء الحارة ينتبهن إلى عشقها لارتداء الحلي الذي يطوق يديها السمينتين والسلسلة الذهبية ذات المصحف الكبير التي كانت تحيط برقبتها، وتعطي مؤشراً لا تخطئه العين على حالتها الميسورة.

وبالرغم من ثرائها فقد كانت عاشقة للحياة في حارة الشرف، مثلما عرف عنها كثيرون حرصها على مد يد العون للفقراء والمعوزين، واهتمامها بأن تكفل عدداً من اليتامى. بل إن البعض يحكي عن مساعداتها المادية لسرور الدمياطي قبل أن تتحسن أحواله وينال من رزق الله الواسع.

لكن هذا لم يكن ليجعل الناس ينسون عنها صفاتها المزعجة، فقد كانت أكثر النساء فضولاً ورغبة في استطلاع أخبار الناس من حولها حتى ولو كان ذلك يصيبهم بالضيق باعتباره من خصوصياتهم. وفي المقابل، كانت من عشاق جلسات النميمة لتبادل الأخبار والتفاصيل مع نساء الحارة حول كل ما يحدث خلف الأبواب المغلقة في منازل حارة الشرف.

ولم يكن ليفوتها مشهد حسين وهو يحمل بين يديه طفلته وينزل بها من عربة الحنطور قبل أن يصعد بها إلى منزله. قرضت نجوى أظفارها وضاقت عيناها وهي تفكر وتضرب أخماساً في أسداس، متسائلة حول هذا المشهد ومعنى وجود طفلة بين يدي حسين الذي لا تعرف عنه الحارة أنه تزوج أصلاً.

اشتعلت نار الفضول في صدرها، وهي من النيران التي لا تنطفيء بسهولة.

قررت نجوى أن تزور الست سنية وتسألها بنفسها.. وقد كان!

- كيف حالك يا أم حسين؟
- بخير و الحمد لله .. نورتِ البيت يا ست نجوى.

وبعدما استقبلت سنية صديقتها بحفاوة، جلستا لاحتساء فنجانين من القهوة المضبوطة، قالت نجوى دون مقدمات:

- رأيت ابننا حسين يحمل طفلة صغيرة ويصعد بها إلى هنا. صبية من تلك يا أم حسين؟
خفق قلب سنية بشدة وبدا عليها الارتباك، فها هي مطالبةٌ بأن تبوح لواحدة من أهل الحارة بتفاصيل عن زيجة حسين في الخارج وإنجابه طفلة، لكنها عادت لتقول لنفسها إن ابنها لم يرتكب في النهاية إثماً لا سمح الله. هو فقط قفز فوق تقاليد وأصول الزواج كما تعرفها عائلته وربما الحارة.

- البنت هي سارة، ابنة حسين. الولد تزوج امرأة أثناء دراسته في انجلترا .. بعلمنا طبعاً، و..
- ما شاء الله, ربنا يحفظها!
أرادت سنية أن تغير الموضوع وأن تصرف انتباه نجوى، فقالت لها:
- إن شاء الله.. شكراً على السؤال, وأنت كيف حال بناتك وأبنائك؟
- كل شيء بخير. تعرفين الحياة وهمومها وحكاياتها التي لا تتوقف، لكن جميعهم بخير.

وانتهى الحوار بسرعة على عكس ما توقعت سنية, التي ودعت ضيفتها الفضولية وهي تتنفس الصعداء.

كانت سنية تعلم أن نجوى ستتكفل في جلسات النميمة مع نساء الحارة بإذاعة ونشر الخبر عن زواج حسين، الأمر الذي كان ثقيلاًَ على قلبها، لأنها كانت تشعر بأن أسئلة وفضول نساء الحارة قد تسبب لها بعضاً من الحرج، خاصة في ظل تساؤلاتهن المزعجة عن الزوجة الجديدة وسر عدم عدم حضورها أو زيارتها منزل أهل زوجها حتى الآن، بالإضافة إلى تفاصيل الزواج نفسه وسبب ارتباط حسين من امرأة أجنبية بعيداً عن الوطن، وعدم ارتباطه بفتاة من الأقارب أو الحارة مثلاً.



وفي الحارات، يأكل الناس من خبز الأخبار والأسرار على مائدة الفضول.

ولدى عودة زوجها أبلغته سنية بأنها قد أخبرت نجوى عن موضوع زواج حسين, فلم يغضب بل قال لها:

- هذه السيدة فضولها لا نهاية له، وإن كان نبلها وكرمها يغفران لها هذه الصفة التي تزعج الناس.

ثم ابتسم لسنية وقال بلهجةٍ ساخرة:
- على أي حال، لا بأس من أن تتولى إذاعة نجوى كريم نشر الخبر.. ففي النهاية لم يكن هناك مفر من أن يعرف الناس أن حسين تزوج وأنك أيتها العجوز أصبحت جدة.


ولما رأت سنية أنه في حال من المزاج الرائق، بادلته المزاح قائلةً:

- عجوز؟ من فينا العجوز يا رجل..عندما تكبر ابنة حسين وتقول لك يا جدي ستعرف جيداً من فينا الذي كبر كثيراً في العمر.

Sunday, August 19, 2007

مصر في حارة: 12



سارة حسين
" 12 "

النهار الصامت في أوله..يشبه ليلةً لا تعرف أجهزة الأرصاد الجوية كيف تفسر مفاجآتها.

وفي ذلك النهار، كانت الدموع لغة الصمت ولعنة الانتظار.

كانت الأم سنية تبكي بحرارة، ولم يكن أحد يعرف هل كانت دموعها حزناً على المفاجأة الصاعقة التي تسبب فيها ابنها البكر حسين لزواجه من فتاة أجنبية خلال سنوات اغترابه، أم أنها كانت دموع الفرح واللهفة لرؤية الحفيدة سارة لأول مرة.

كانت سنية تفرك يديها في قلق وتوتر، كأنما اليدان تنتظران على أحر من الجمر احتضان الصغيرة سارة..خفقات قلب سنية كانت تتسارع كلما سمعت دقات الساعة الكبيرة في صالة المنزل. كانت تحث عقارب الساعة على أن تتعانق، حتى يمكنها أن تحتضن هي تلك الحفيدة.

وحتى تغالب دموعها وتشغل نفسها عن توترها وارتباكها،أخذت سنية تصرف ذهنها بكل الطرق عن فكرة الانتظار، فتنهمك في إعداد مظاهر الاستقبال وتنظيف أرضية المنزل وتلميع قطع الأثاث الخشبية التي تقادمت وذهب بريق لونها الأصلي بفعل الزمن. كانت تفعل كل هذا وهي تحاول أن ترسم على وجهها بين الحين والآخر طيف ابتسامة، سرعان ما تختفي بسبب غول القلق.

بعد ساعات طويلة بطيئة، فرغت سنية من تجهيز المنزل لاستقبال الحفيدة المنتظرة، ثم جلست مع حمدان في حجرة الاستقبال الصغيرة، في حين رفضت فهيمة الانتظار معهما وفضلت الاستلقاء على فراشها والغرق في بحر تأملاتها.

وقبل أن يودع قرص الشمس جوف السماء، لمح الأب رضوان أثناء جلوسه على مقعده الأثير في المقهى عربة حنطور تتهادى من بعيد, سرعان ما اقتربت ليظهر فيها حسين الذي أمر سائقها بالوقوف عند باب منزل العائلة، ونزل برفق وهو يحتضن سارة بين ذراعيه. كان رضوان يتابع المشهد، فآثر التريث قليلاً قبل أن يلحق بابنه وحفيدته دون أن يرافقهما إلى الشقة.

وما كادت سنية تسمع طرقات على الباب حتى أسرعت لتفتحه، لتجد أمامها حسين وهو يضم حفيدتها إلى صدره. لم تهتم سنية كثيراً للحديث مع ابنها بقدر ما كانت متلهفةً على احتضان الصغيرة. أخذتها من بين ذراعي حسين بعينين دامعتين، وأخذت تتأملها وتتفحص ملامحها وهي نائمةٌ في لفافة بيضاء كأنها طيفٌ من عالم الخيال.


وبالرغم من التأثر والجو المشحون الذي أحاط بأركان المنزل, كان رضوان ينظر إلى حفيدته بطرف عينيه، كأنها يختلس النظرات إليها، ويقاوم فكرة احتضانها، تأنيباً لحسين على زواجه دون علم الأسرة.


وبينما الأجواء تجمع بين الفرحة العارمة والتأثر الشديد، اقترب حسين من ابنة أخيه مبتسماً وعانق كفها الصغيرة فتمسكت بيديه وجمعت أصابعها الصغيرة وكل ملامحها تفيض بالبراءة والرقة، ثم أخذت تتفوه بكلمات لا معنى لها أو تصدر عنها أصوات طفولية، فانطبعت الابتسامة على وجه سنية، في حين نظرت فهيمة إلى الصغيرة في فضول، في الوقت الذي استغرقت فيه سنية في تلاوة آيات من القرآن وهي تمر بيدها على رأس حفيدتها.

كسر حسين حاجز الصمت، فقال وهو يبتسم:
- ما شاء الله, وجهها جميل. ألا تشبه فهيمة ؟
ظل سؤاله المجامل حائراً دون إجابة, فمط شفتيه وقال في براءةٍ كأنما يجيب على نفسه:
- أنا أقول إنها تشبه فهيمة.

Sunday, March 11, 2007

مصر في حارة: 11



ليلى موسى
" 11 "




توارت خيوط ضوء الشمس الواهية خجلاً خلف السحب، كأن ذيول الفجر لا تزال تفرض نفسها على القرص المستدير الذي يتوسط السماء

انهمك حمدان في اللهو في أرجاء الحارة غير عابيء بلسعات خفيفة من البرد تطارد المارة وتدفع القطط إلى الانزواء أو الاحتماء بالأشجار العارية. أما فهيمة فقد لزمت مطبخ المنزل، تشارك في طهي الطعام وتردد بعض الأغنيات الذائعة وسط الأبخرة المتصاعدة من القدور التي تغلي. وانشغلت سنية بمهمة تنظيف المنزل بمساعدة أم سعاد, أملاً في أن يزداد جمال ورونق منزلها المتواضع، خاصةً بعد أن رأت بأم عينيها الحال الميسورة للجارة هنومة بما تملكه من أثاث جديد وكراسٍ خشبية وحوائط براقة تزينها الستائر الملونة

أما حسين فقد حافظ على عادته الغموض بالبقاء لساعاتٍ طويلة خارج المنزل، من دون أن يعلم أحد ما الذي كان يفعله ومع من يلتقي

يوم بدا لكثيرين مجرد يومٍ عادي آخر, لكن القدر كان يخبيء لعائلة رضوان أفندي مفاجأةً من العيار الثقيل
كان رضوان جالساً في مكانه المفضل بالمقهى وهو يرشف من فنجان القهوة حين وجد ابنه حسين يحث الخطى إليه قبل أن يقف في مواجهته وينحني قليلاً ليقول له بصوت أقرب إلى الهمس:

- أبي, أريدك في موضوع غاية في الأهمية
- طيب، اجلس وهات ما عندك يا دكتور
- الحقيقة.. أنني.. الأفضل أن أناقش الموضوع معك في البيت

وافق رضوان من دون أن يولي الأمر أهمية تذكر، فلم يكن هناك ما يدعوه إلى القلق..لكنه حين دخل منزله أحس بجوٍ من الترقب يحيط بغرفة الاستقبال..كان حسين في انتظاره جالساً وهو يفرك يديه إلى أن رأى والده فهب واقفاً ونادى على باقي أفراد العائلة كي يتجمعوا ويستمعوا إلى ما يريد قوله


تحلقت الأسرة حول حسين الذي طالت فترة صمته، حتى استعجلته الأم سنية لرغبتها في إكمال ما بدأته من أعمال المنزل، لكن حسين قال وهو يتعثر في كلماته:

- الحقيقة, هناك أمر معين أخرّني وأنا في انجلترا. شيء لا أدري كيف أقوله لكم, لكن يجب أن تعلموا به الآن على أي حال، فأنا لم أعد قادراً على إخفائه لمدة أطول
يحلق طائر الذهول فوق رءوس الجميع إلى أن تتساءل سنية في لهفةٍ قائلةً:

- قل لنا يا حبيبي، ماذا حدث لك في انجلترا؟

احمرت وجنتا حسين وهو يقول بصوت خافت:

- الحكاية أنني..

تسارعت ضربات قلب حسين وكاد الفضول والقلق يوقف خفقات قلوب باقي أفراد عائلته، في حين اتجهت العيون إلى حسين الذي قال وهو يغالب تردده:

- أنا ..أنا تزوجت من فتاة اسمها ليلى موسى, نصفها انجليزي ونصفها الآخر مصري و.. وأنا أب لطفلةٍ منها. أعلم أنها مفاجأة بالنسبة لكم جميعاً، لكنني لا أستطيع أن أخفي الأمر عنكم بعد الآن
كان حسين في أثناء كلامه المتردد يقف بين كل لحظة وأخرى.. وعندما فرغ من إلقاء قنبلته أخذت أمه بعينين ذاهلتين تردد من دون ملل:

- تزوجت "خواجاية يا حسين..تزوجت "خواجاية"

أما رضوان أفندي فهوى بكف يده على خد حسين.. وانهال على ابنه بشتائم قاسية زلزلت كيان الابن البكر للعائلة.. وسرعان ما سالت الدموع من العيون, وسط حالة من الصدمة والارتباك تلف المكان
تهاوت سنية بجسدها الثقيل على المقعد كأنها تريد أن تستنجد بأي شيء حتى لا تقع على الأرض وتنهار.. اغرورقت عيناها بالدموع .. وبدأت تندب حظها, وهي تلوم ابنها:

- هل هذه نهاية ثقتنا بك يا حسين؟ لماذا ؟

اشتعل الغضب في صدر رضوان مرة ثانية، فارتفع صوته وهو يصرخ في وجه زوجته طالباً منها أن تسكت قليلاً، إلى أن فوجيء بها الجميع تنخرط في بكاء مرير وهي تقول:

- الله يسامحك يا ابن بطني

وبينما الصاعقة تترك أثرها على الوجوه والقلوب, ذهبت فهيمة ناحية حسين ووضعت يدها اليمنى على كتفه, لتهزه وهي تقول باكية:

- لماذا يا حسين؟
نظر إليها حسين نظرة تمتزج فيها مشاعر الألم بالأسى.. من دون أن يمنحها إجابة تشفي غليلها

اقترب منه الأب قائلاً في غضب:

- هل هذه نتيجة موافقتي على سفرك إلى بلاد الغربة؟ تتزوج من دون علم أهلك؟ كيف حدث هذا؟
أطرق حسين برأسه وهو يقول:

- تزوجت على سنة الله ورسوله..والله!
- لكنك تزوجت من دون أن نعلم بالأمر ولم تستشرنا في شيء.. لا أصدق أنك فعلت هذه الفعلة
ووسط بكائها الحار الذي لم تفلح محاولات الابنة فهيمة في تهدئته، أخذت سنية تقول:

- حرام عليك, معقول أبقى جدة من دون أن أعرف!..وعندما أعلم بالأمر لا أتذوق حلاوة الإحساس باحتضان حفيدتي؟ معقولة ابني الذي كنت أثق فيه أكثر من نفسي وأتفاخر به، يفعل كل هذا من وراء ظهورنا جميعاً؟ ما ذنبها ابنتك المسكينة كي تحرمها من جدتها وجدها؟

- أنا نادم أشد الندم يا أمي!
- وما نفع الندم الآن!

نظر كل من حمدان وفهيمة إلى أمهما وهما يشفقان عليها بسبب بكائها ودموعها الغزيرة، في حين أخذ رضوان يتمالك أعصابه ليسأل ابنه قائلاً:

- والآن, ما العمل؟ لا أعرف يا ربي ما العمل!
سالت دمعتان على وجه حسين ثم انحنى على يدي أمه وهو يقبلهما قائلاً:
- أرجوك يا نينة, شوفي زوجة ابنك وحفيدتك.. دعينا نطوي صفحة الماضي ونفتح صفحة جديدة.. لقد استأجرت لهما شقة صغيرة في باب اللوق إلى أن أفاتحكم جميعاً في الأمر.. أرجوك.. أرجوكم جميعاً..اعتبروا أنكم كنتم تعلمون الأمر من البداية, ثم إن هذا زواج يا جماعة.. لم أرتكب إثماً لا سمح الله.. كل ما فعلته أنني أحببت فتاة وتزوجتها حتى رزقني الله بابنة جميلة منها


بدأت الأعصاب تبرد تدريجياً، وبدا كل من رضوان وسنية أكثر تقبلاً أو على الأقل خضوعاً للواقع والمفاجأة التي حملها إليهما ابنهما البكر.. هدوء شجع حسين على مواصلة حديثه مخاطباً والده هذه المرة قائلاً:

- هل ترضى يا أبي ألا ترى حفيدتك الأولى التي تبلغ من العمر عاماً ونصف العام؟ إن زوجتي هي ابنة جديدة لك. أشعر بجرح عميق في قلبى, وأنتم جميعاً علاجي الوحيد من هذا الألم الذي ظل حبيساً في صدري طوال الفترة الماضية. قولوا إنكم موافقون على رؤيتهما.. أرجوكم

تبادل الجميع النظرات وانطلقت من الأعين رسائل تتراوح بين الاستعطاف والتردد والحزن، إلى أن قطع رضوان الصمت ببطء وتردد قائلاً:

- موافق, لكن بشرط
تهلل وجه حسين قائلاً:

- كلامك أوامر يا أبي
- أريد أن أرى حفيدتي فقط. لست راضياً لا عن زوجتك ولا عنك يا حسين
وافق حسين من دون تردد على طلب أبيه, بعد أن وجد في هذه الموافقة المشروطة فرصة لإنهاء ولو جزء من معاناته مع سر زواجه السري، على أمل أن يذوب جليد الجفاء تدريجياً وينجح يوماً في لم شمل عائلتيه الكبيرة والصغيرة
ولأول مرة منذ بدء هذه المصارحة العاصفة التي هزت المنزل الهاديء، ارتفع صوت حمدان فجأة ليسأل في براءة:

- حسين.. ما اسم ابنتك؟
لاحت على وجه أخيه ابتسامة خفيفة ومسح دموعه بطرف قميصه وهو يقول:

- اسمها سارة.. سارة حسين

مصر في حارة: 10


محمود دياب
" 10 "
جاءت أيام الشتاء الهامدة, رش السكون مسحوقه السري على شوارع الحارة.. الحديث الوحيد بين سكانها الصمت، كأنهم سئموا الثرثرة طوال باقي فصول السنة، واستعدوا لحالة من البيات الشتوي التي تصل إلى حد السبات
راود فهيمة رضوان شعور بأن أيام غياب الأخ حسين قد عادت بعدما كانت العائلة تتوقع انتهاءها.. كان الشاب كثير التنقل من مكان إلى آخر كأنه يبحث عن شيء ما غامض يبحث عنه. تشاجر الأب معه كثيراً، حتى إنه قال له ذات يوم بصوته الجهوري:
- لم نعد نراك كثيراً يا حسين، ماذا جرى.. أين تذهب؟
فلا يخرج حسين عن هدوئه، ويجيب قائلاً بنبرة أرادها محايدةً: "ذهبت إلى العمل ونسيت نفسي" أو "أحببت أن أتنزه فسرقني الوقت"
ويصدقه رضوان أفندي بعدما تستر بالحدة حتى يخفي السذاجة, وقد صدقته الأسرة بأكملها.. إلا فهيمة, حيث تتبعت بذكائها الفطري تصرفات وردود فعل أخيها لتحصل في كل مرة على النتيجة نفسها: "يوجد سرٌ ما يخفيه أخي". تلف الفتاة وتدور على أخيها لكن من دون جدوى، إذ إن نباهة حسين وهدوء أعصابه جعلاه يتجاوز الاختبارات والحيل التي لجأت فهيمة إليها لاستدراجه وربما دفعه إلى الكشف عن مكنون صدره
تحاول الفتاة ألا تشغل ذهنها، لكنها سرعان ما تعود وتلاحظ كثرة غيابه. غير أن الأحجية بقيت غامضةً تبحث عن قطعة أخيرة

وفي صباح يوم جمعة كان حسين يحتسي كوباً من الشاي ويقلب صفحات الجريدة بيده الأخرى، حينما تذكرت الأم فجأة حكاية زيارة صديقه القديم طاهر له خلال فترة سفره. انتبه حسين وترك من بين يديه الجريدة متوقفاً عن قراءتها ليسأل أمه:
- هل قال لك أين يسكن يا نينة؟ أود أن أزوره
فتسرع سنية كأنها تتباهى بأن ذاكرتها لم تحنها هذه المرة.. فتقول:
- يسكن بجانب بقالة البحيري التي تقع قبالة قهوة عم داود
- عظيم، سأزوره اليوم إن أمكن ذلك. كم أود أن أراه هو ومحمود.. من يدري ربما نجتمع في شقته، مثل أيام المرحلة الابتدائية
وانتهى الحوار من دون هدف، فأكملت سنية احتساء قهوتها في حين واصل حسين مطالعة الصحيفة
وفي منتصف النهار، حيث ضوء الشمس ينشر حضوره الطاغي على سماء المدينة، ذهب حسين لزيارة صديقيه، ليفتح له باب البيت شاب أسمر, ربعة، تجمع نظرة عينيه بين السذاجة والبراءة.. يتطلع إليه حسين لأول مرة ثم يسأل قائلاً:
- مساء الخير.. هل طاهر ومحمود موجودان؟
فيسأل الشاب بصوته الممتليء:
- نعم.. من أقول لهما؟
- قل حسين .. حسين المنياوي
- عفواً..هل قلت حسين المنياوي؟
فيجيب حسين وابتسامته الواثقة تتسع:
- سيتعرفان علي بمجرد إبلاغهما بقدومي إلى المنزل
ينظر الشاب إلى حسين بعينين متسائلتين, ثم ينادي على صديقيه, فيأتي طاهر, وبعد لحظة يقبل محمود بعينين نصف مغمضتين كأنه كان مستغرقاً في النوم، أما عينا طاهر فتلتمعان وتتسع ابتسامته وتظهر غمازتا وجنتيه اللطيفتين، مرحباً:
- حسين المنياوي صديق عمري؟
يهز حسين رأسه موافقاً, فيضمه طاهر بين ذراعيه, ويربت على كتفه في ودٍ بالغ. يبادره حسين بالسؤال:
- كيف أحوالك يا صاحبي؟
- أنا بخير يا حسين, تفضل يا صديقي
حتى تلك اللحظة, لم يكن محمود دياب يتذكر جيداً زميل دراسته حسين, مع أنه لمس مدى عمق الصداقة التي تجمع بينه وبين طاهر ..غير أن حسين كسر حاجز الجليد بينهما سريعاً, وحاول إنعاش ذاكرته وسرد طرفٍ من حكايات الصبا, لتضيء ذاكرة محمود تدريجياً ويرتسم طيف ابتسامةٍ خفيفةٍ على ملامح وجهه. محمود هو محمود, احتفظ بالشخصية القديمة نفسها التي تظهر من الريبة والشك ما يثير لدى الآخرين شعوراً بالتحفظ وربما النفور من التعامل مع صاحبها. انطوائيته لا تخفى على أحد، لكنه لا يمانع في التعامل مع الآخرين ما داموا ضيوفاً لا رغبة لديهم في الإقامة طويلاً بين جنبات عقله أو ذاكرته. كان شخصية صامتة معظم الوقت، فلا يبدأ حديثاً ولا يطلق ضحكة ولا يفجر نكتةً تشيع أجواء من البهجة في جلسات الأصدقاء
مرت فترة من الأحاديث المتواصلة ومن ثم سألهما حسين عن ذاك الشاب الذي فتح باب الشقة, فاتضح أنه زكريا القناوي, صديقهما رقيق الحال الذي يتقاسم معهما بصعوبة بالغة وعناء شديد نفقات العيش في هذا المسكن المشترك
كم كان ذاك اليوم حافلاً بالأحاديث والحكايات, حتى إن حسين أصر على دعوة طاهر ومحمود وزكريا لزيارته في منزله. أشرق وجه طاهر الذي بدا أكثر الثلاثة سعادةً بهذه الدعوة الكريمة... فهو لم ينس يوماً تلك الملامح المتدفقة بالبراءة والجمال لفهيمة المنياوي. ومع أن الظروف لم تسمح له من قبل سوى بتبادل التحية العابرة فإنه كان يشعر بشيء غامض يهز مشاعره كلما وقعت عيناه عليها
وفي نهاية اليوم الطويل, ودع حسين أصدقاءه الثلاثة, وعاد متأخراً إلى المنزل ليحكي بسرور لكلٍ من أمه وشقيقته عن لقائه بعد طول غياب مع أصدقائه القدامى, كأنما طفل صغير يحكي عن مغامرة شائقة حدثت له للتو
أما فهيمة فلم تكن تلقي بالاً لهذه الحكايات، سوى لمجاملة شقيقها الأكبر.. لم تكن تشعر بأي شيء عندما يتردد أمامها اسم طاهر، الذي كان يذوب عشقاً لمجرد ترديد اسمها أمامه