Friday, October 17, 2008

مصر في حارة: 17








سارة ورضوان


" 17 "

عامٌ طويل مضى، منذ واقعة إلقاء القبض على محمود دياب


واقعة مؤلمة حفرت عميقاً في ذهن وذاكرة أحبته وأصدقائه، وما زاد من مرارة تلك الواقعة هو نهايتها التي نكأت الجراح
فقد صدر حكمٌ بإعدام محمود وإحالة أوراقه إلى المفتي، ونُفِذ الحكم بالفعل قبل أن ينتهي ذلك العام


بدا طاهر الأكثر تأثراً بما جرى.. تغيرت أشياء كثيرة في ذهنه وطريقة تفكيره، وأخذ يزور حسين أكثر من مرة أسبوعياً, وكان يتناول طعام الغداء مع عائلة المنياوي ومع حسين وعائلته الصغيرة في عددٍ من أيام الجُمع

هاجمت نوبات المرض سعدية من دون سابق إنذار..وأصبحت طريحة الفراش على فتراتٍ متباعدة، في حين كانت القطط صديقتها المقربة، إذ تنام في وداعةٍ إلى جانبها كأنها رفيقة مخلصة لتلك السيدة العجوز . لم تعد سعدية تعرف طعم المزاح، وتتجنب المرح ولحظات الغناء.. فجأة هبت رياح الحزن والملل لتقتلع أشجار المرح في حياة تلك المرأة

لكن أعجب وأغرب تغيير في مسار الأحداث و الأشخاص, هو أن حمدان لم يعد يلعب في الحارة, فقد كبر قليلاً وأصبح فتى في الثالثة عشرة, وخطت شعيرات فوق شفتيه ملامح شارب خفيف. أما هو فقد غمره إحساس بأنه على أعتاب الرجولة التي بدأت تسري في عرقه، وأخذ يحرص على أن يبدو عاقلاً ومتزناً أكثر فأكثر
الرياح التي هبت على عائلة المنياوي لم تغير شيئاً واحداً: طريقة تعاملها مع ليلى. كانت العائلة تعاملها بتحفظ مشوبٍ بالجفاء، ولم يخفف من وقع هذه المعاملة إنجابها طفلاً ثانياً من حسين، أطلقا عليه رضوان على اسم جده. وإذا كان الجد رضوان قد سُر وابتهج لأن طفل العائلة الجديد يحمل اسمه، فإن توقعات حسين بأن تتحسن معاملة عائلته لزوجته ذهبت أدراج الرياح
عاش الجميع في هدوء أقرب إلى الرضى وأشبه بالسعادة
ولكن، هل تستمر السعادة؟
بدأت رحلة توقفها في يومٍ من أيام الصيف الحارة, التي كان حسين يرتدي فيها بذلته الأنيقة للذهاب إلى العمل, فدخلت عليه زوجته غرفته, وبادرته بالقول:
- حسين يا حبيبي, أريد أن أكلمك في شىء مهم
- ألا يمكن تأجيله؟ عندي مواعيد وارتباطات عمل أريد أن ألحق بها
- كلا , أنا آسفة
نظر إليها حسين باهتمام، وسألها:
- خير.. إن شاء الله؟
- الحقيقة, هي أن أمي ليست راضية عن حياتنا ومعيشتنا في مصر!
- لكننا نملك شقة جميلة ومريحة في حي العجوزة .. أين تريدين أن نعيش؟
- في انجلترا يا حسين
باغته الرد فارتبك للحظات. أخذ حسين ينظر إليها بتعجب كأن شيئاً أصاب عقلها, ثم قال بصوت بارد يخالطه بعض الغضب:
- ليس كل ما نريد يتحقق, حلمك أن نذهب إلى انجلترا , لكننا سنستقر هنا في مصر .. ثم ما الذي لا يعجب أمك هنا؟
- لا تستطيع أن تتأقلم .. وأنا أيضاً غير قادرة على ذلك.. حاولت وفشلت. وبصراحة، لا أحب أهلك، أعني أنني.. لا أحب طريقة معاملتهم لي.. ثم إننا سنعيش سوياً حياة أفضل في انجلترا مع سارة و رضوان. صدقني يا حبيبي
وضعت يديها النحيفتين على وجنتيه البارزتين, ونظرت إليه نظرة مليئة بالتعاسة, لكنه قال لها بهدوء بعدما أبعد يديها عن وجهه:
- لا بد من الصبر يا ليلى والتأقلم مع حياتنا الجديدة.. أنا آسف, والآن يجب أن أذهب, أرجو ألا تفكري كثيراً في هذا الموضوع الثانوي
- هذا ليس أمراً تافهاً..إنه يتعلق بعائلتنا وحياتنا معاً
بدا حسين متململاً من هذا الحديث الذي لا يقود حسب رأيه إلى شىء، وطبع على جبينها قبلة باردة، ثم استأذن في الانصراف مسرعاً إلى العمل.. لكنه لم ينسَ ما قالته ليلى, وأخذ يفكر فيه وهو في حيرةٍ من أمره
وحين عاد من عمله مساء ذلك اليوم، رحبت به صغيرته سارة بابتسامةٍ بريئة, في حين بدت ليلى مشحونةٍ بقلقٍ مكتوم, لكن بخارها المكتوم كان يتصاعد شيئاً فشيئاً. وجد حسين أنه من الضروري تهدئة خاطرها. وحين جلسا معاً، بادرها بالقول:
- أعرف أنك مشغولة بموضوع استقرارنا.. لكنني يا ليلى خائف من الموضوع الذي حدثتني بشأنه في الصباح
احمرَّ وجه ليلى من الغضب، لكنها تمالكت نفسها وقالت وهي تضغط على مخارج حروفها:
- اسمع يا حسين .. لا أريد أن أعاندك، ولكن يجب أن نسافر
- و لماذا يا حبيبتي؟ نحن هنا نشعر بالارتياح و الدفء الأسري
- لا تجمعنا معاً في كلامك, أنت تشعر بهذا الارتياح، أما أنا فلا.. ولا أعتقد أن حال رضوان وسارة هنا سيكون أفضل من حالهما في بلدنا
- فلنغلق هذا الموضوع, لن نسافر إلا في أحلامك
- بل سنسافر يا حسين
- ما هذه اللغة التي تحمل تهديداً؟ لماذا تحاولين خلط الأوراق ودفعنا إلى حافة الصدام؟ قلت لكِ لن نسافر
غيَّرت ليلى من لهجتها وأخذت تخاطبه في توددٍ أقرب إلى الضعف:
- لست أتحداك. كنت أبحثُ فقط عن مصلحتنا كعائلة
إلا أن الحوار الذي دار باللغة الإنجليزية بدا كأنه بين شخصين يتمسك كل منهما برأيه ومواقفه
وفي لحظة توتر وغضب:
- لا فائدة من الكلام معك.. أنت عنيد وترفض النظر إلى مصلحة عائلتنا. سأترك المنزل، لكنني سآخذ معي الطفلين
رد قائلاً:
- لا بأس، خذيهما
وفي لحظاتٍ، حزمت ليلى حقيبة جلدية كبيرة تضم أغراضها وطفليها، ثم أخذت كلاً من رضوان و سارة متوجهة إلى شقة أمها كريستين في حي الدقي. وهناك، أخذت تشكو لأمها ما جرى. أيدتها الأم في موقفها، لكنها نصحتها بأن تحاول مرةً ثانية إقناع الزوج برأيها بشأن السفر إلى انجلترا والاستقرار هناك
في مساء اليوم التالي, ذهبت ليلى بصحبة أمها إلى شقة الزوجية في حي العجوزة
وبالصدفة، وجدتا مع حسين كلاً من سنية وفهيمة اللتين كانت تحاولان من دون جدى تهدئة الخلاف بين حسين وزوجته
وما إن دخلت ليلى مع أمها, حتى بادرت ليلى بالحديث إلى حماتها قائلةً:
- هل حكى لك حسين عما حدث بيننا؟
- نعم يا ليلى
- وما رأيك؟
رفعت سنية حاجبيها ثم قالت في حدة:
- بالطبع لست موافقة. من ترضى بأن يبتعد ابنها الأكبر عنها؟ ولماذا يفعل ذلك؟
- الحقيقة أنني لا أجد في هذا الموضوع أي مشكلة,ثم إننا من الممكن أن نزوركم بين فترةٍ وأخرى
- ومن يضمن لنا ذلك؟
فجأة, قال حسين بهدوء:
- اسمعي يا ليلى, لقد منحتك كل ما أستطيع.. اشتريت لك شقة فخمة ومريحة في حي راقٍ, و عاملتك أطيب معاملة, ولقد أنجبنا طفلين كنت أتصور أنهما سيذيبان أي خلافاتٍ بيننا, ولكن لم يعجبك كل ما فعلته من أجلك. إن أردتِ أن تسافري أينما شئت, فافعلي.. لكن يتعين عليك أن تتركي لي الطفلين
- هذا سيحدث في أحلامك. سيكون الطفلان معي أينما ذهبت
تدخلت الست سنية قائلة في غضب:
- ما هذا؟ سيبقى الطفلان معنا
أخذت ليلى حقيبتها وهي تقول في لهجةٍ ساخرة:
- سلام أيها الطبيب اللامع, أنا حتى لا أطيق رؤيتك
غادرت ليلى مع أمها, كما أخذت معها كرامة حسين التي تبعثرت عندما قالت له إنها لا تحتمل رؤيته. صمت حسين وهو يشعر بالإحباط والاكتئاب,في حين أخذت أمه تزيد من حالته النفسية سوءاً وهي تلومه قائلةً:
- هذه هي نتيجة من يتزوج امرأة لا تنتمي إلى بلده ولا تفهم أخلاقه ولا تعرف مجتمعه. كم كنت أتمنى أن تتزوج امرأة من بلدك ولا تهدم حياتك بالزواج من هكذا امرأة
في صباح اليوم التالي، استيقظ حسين ليجد نفسه وحيداً في شقته، لكنه شعر - ربما للمرة الأولى- بإحساسٍ عجيب.. الهواء الثابت ملأ الشقة الفخمة
صباح غريب وغير معتاد، ازدادت غرابته عندما لمح مظروفاً صغيراً ينام على مائدة الطعام في الصالة. فتحه ببطء والنعاس لم يفارقه بعد, وبدأ في قراءته بعينين نصف مغلقتين:
"حسين
دخلت الشقة صباح اليوم أثناء استغراقك في النوم وكتبت لك هذه الرسالة، سافرت اليوم مع سارة ورضوان وماما, لكني لم أسافر إلى انجلترا بعد أن نصحتني أمي بأن لا تعرف أين سافرت كي لا تلحق بي ..قلت لك إني سآخذ الطفلين.. لم يكن أمامي خيارٌ آخر. أرجو أن تجد امرأة أفضل مني, كما أني سأجد بالتأكيد رجلاً يحبني ويهتم بي أكثر منك
ليلى

تسارعت دقات قلب حسين واغرورقت عيناه بالدموع. قرَّب الرسالة إلى عينيه وأخذ يقرأ ما بها مرة تلو الأخرى. استند على المقعد كأنه يتهاوى تحت مطرقة الحدث، وتداخلت الصور في عقله.. قبل أن ينخرط في بكاءٍ مرير. لم يكن حسين يصدق تلك المفاجأة التي فطرت قلبه..أن تختفي زوجته ومعها طفلاه. بدأ يلوم نفسه ويجلد ذاته لأنه ارتبط بامرأةٍ يمكنها عند أول خلافٍ أن تحرمه من رؤية طفليه..ربما إلى الأبد
***
ارتدى حسين ملابسه على عجل, و أسرع إلى منزل حماته كريستين في الدقي لكنه لم يجد أحداً، فذهب كسير الخاطر إلى بيت أبيه رضوان أفندي، وقد احمرت عيناه بسبب بكائه المستمر حزناً على طفليه وهرب زوجته بهما
طرق باب العائلة، ففتحت له فهيمة وعلى وجهها ابتسامة ودودة سرعان ما اختفت لتحل محلها الدهشة لحالته التي يرثى لها, فسألته:
- حسين، ما بك؟
نظر إليها وسط دموعه, ثم ضمها بقوة و هو يبكي جرحاً عميقاً لا يندمل..كان شعوره بالحزن و الفقد غامراً .. وضعت فهيمة يديها الرقيقتين على ظهره, وسألته :
- ما بك ؟ لم تبكي يا حسين؟
- ليلى .. ليلى
- ما بها؟
- أخذت سارة ورضوان وسافرت إلى مكانٍ لا عرفه .. وقد لا أرى طفليَّ مرة ثانية, أشعر بالتعاسة, لا أصدق ما يجري لي
هرعت سنية إلى ابنها وضمته إلى صدرها, وأخذت تربت على كتفه لتهدىء من روعه. أما الأب رضوان فانهال عليه لوماً وتوبيخاً، واتهمه بالفشل في احتواء المشكلة مع زوجته، قبل أن يقول له بقسوةٍ وصرامة:
- لن أرى حفيديّ بسبب غبائك!
نظرت إليه سنية في تعاسةٍ, قائلة:
- لا داعي لهذا الكلام الآن, هما طفلاه أيضاً, و هو بالتأكيد يشعر بالذنب والحزن أكثر من أي أحدٍ منا.. ثم إن كل شيء قسمة ونصيب

بكى حسين, ولم يرد على أبيه, في حين انشغلت الأم بتهدئته، وهي تحاول أن تؤكد له أن هذه الغُمة مؤقتة وأنه سيلتقي طفليه وتعود إليه زوجته عما قريب


وعندما حل الليل، نصحته أمه سنية بأن يأوي إلى فراشه باكراً، وأن يطرح همومه جانباً، مؤكدةً له أن الفرج من عند الله سيأتي في أقرب وقت. أطاعها حسين وهو يشعر بانكسارٍ، إذ لم يكن يتخيل أنه يمكن أن يصبح في يومٍ من الأيام بمثل هذا القدر من التعاسة

6 comments:

مهندس مصري said...

ياه دي شكلها رواية طويلة
انتي متأكدة انك 14 سنة بس
اسلوبك احسن من كده بكتير
سعيد بمعرفة مدونتك
:)

Eman Yasser said...

مهندس مصري

عمري بالضبط 14 سنة وستة أشهر

لكن أريد أن أقول لحضرتك إن هذه كانت محاولتي الأولى للكتابة باللغة العربية، وعندي كمان محاولات باللغة الإنجليزية

عندما أنظر إلى محاولتي الأولى أضحك وأنتبه إلى الملاحظات عليها بشكل أوضح، ربما لأني تأثرت بروايات معينة وكتبت عن تجارب لا أعرفها جيدا

إن شاء الله عندما أنشر ما كتبته بعد هذه المحاولة ستلاحظ الفرق

مهندس مصري said...

كل الحلاوة و الجمال اللي في الكتابة دي و كانت محاولتك الأولى
:)
طيب دا انا عاجباني الكتابة جداً و علشان كده إستغربت من عمرك
لإني حسيت إن ده إسلوب حد كبير و متمرس في الكتابة الروائية
لو بتكتبي أحسن من كده كمان يبقى أتنبئ لك بمستقبل عظيم ككاتبة روايات
و ممكن يجيي يوم و نفتخر فيه بمعرفة إيمان ياسر

ربنا يوفقك
:)

Eman Yasser said...

مهندس مصري

شكرا لحضرتك. بجد أنا سعيدة بأن هذه الكتابة أعجبتك

إن شاء الله يتحسن مستواي تدريجيا مع القراءة وكمان الدراسة، لأنها تفيدني في معرفة تجارب كثيرة في الحياة

Anonymous said...

وسلنا إلى جيل جديد هو سارة ورضوان
الرواية جميلة ومسلية، وكمان أسلوبك ناضج جدا

ننتظر المزيد يا إيمان

نجوى الحوفي

Eman Yasser said...

نجوى الحوفي

أشكرك جدا لأنك مهتمة بالقراءة لي، مع أني للأسف انشغل لفترات طويلة بالدراسة

إن شاء الله مستواي سيتطور مع القراءة والتجربة، وأنا أكيد عارفة أن هناك الكثير لأتعلمه