Tuesday, November 21, 2006

مصر في حارة: 1





عائلة المنياوى
" 1 "
تشرق الشمس بنور وديع وسط السماء الزرقاء الصافية...يتسرب إلى الآذان تغريد البلابل والعصافير في أنحاء الحارة الصغيرة .. تفوح الرائحة الزهرية العطرة التى تولد من رحم الربيع الدافئ..تغفو على الأرض ظلال الأشجار المورقة

أرصفة الحارة الضيقة النحيفة تباع عليها الأحذية الرخيصة الملونة كما تستقر عليها محال الجزار والنجار والبقال والتاجر... يلهو الأطفال تحت أشجار التوت و التفاح ...يركضون ويتنقلون عبر فروعها البنية..البسمة تشرق كالشمس على وجوهم ووجوهن,المرح يملأ قلوبهم والبراءة عنوان قلوبهن

ومن بين هؤلاء الأطفال يلعب حمدان رضوان المنياوي وفهيمة رضوان المنياوي - أخته التي تكبره بخمسة أعوام ونصف العام - تحت ظل شجرة تفاح تتدلى منها حبات الثمرة الحمراء

بفرح وسرور, يتقافز الصغير وتمرح فهيمة ..إلى أن تنادي عليهما أمهما الست سنية من نافذة البيت القريبة من فناء "حارة الشرف", قائلة بنبرة ساذجة معتادة:

- كفاكما لعبًا..البامية و الملوخية تنتظركما

- لم نلعب كفاية يا أمي!
- فلتأكلا ثم عودا للعب مرة ثانية, ولكن يجب أن تأكلا حتى الشبع بعد كل هذا اللعب المرهق!

يوافقان بترحاب، يركضان ويمرحان في رحلتهما من الطريق الضيقة إلى البيت الصغير حيث تفوح رائحة القلي الشهية من مطبخ العائلة

تفتح الأم باب البيت، والابتسامة الحانية تعلو وجهها، قائلةً :

- مساء الخير يا "عكروت" منك لها !
- مساء النور !

تبتسم الأم بسعادة لا سبب لها، ثم تقول متصنعةً الجدية:

- أبوكما يا حبة عيني ينتظركما منذ فترة طويلة ليشارككما الطعام

يعتذران عن التأخير لأبيهما رضوان أفندي المنياوي بتقبيل يده، فلا تظهر أي انفعالات على قسمات وجهه الصارم

يلتفون حول الطبلية الصغيرة فينضم إليهم أبيهم، ونظرة عينيه العسليتين لا تخلو من تسلط وخبث..عائلته معروفة في الحارة، عائلة رضوان المنياوي التي تتكون من رضوان أفندي.. رجل غزير الشعر الأسود ..أفطس الأنف .. صاحب جسد قوي عريض ..طباع متسلطة..على عكس زوجته الست سنية ذات القوام الممتلئ.. والبشرة العاجية والجبهة العالية.. قسمات وجهها المقبولة تضيء كلما اتضحت روحها المرحة

ساقتها الأقدار إلى الزواج من رضوان وهي في سن الخامسة عشرة.. وأنجبت له مع الأعوام روحية وحسين وفهيمة وحمدان .. توفيت روحية من التيفود وهى في السابعة من عمرها, فحزنت عليها أمها حزنًا شديداً..أكثر مما حزن عليها أبوها رضوان الذي لم يكن سعيداً بأن تكون له ذرية من البنات

لكن البسمة المبتهجة عادت إلى شفتي الست سنية مرة أخرى وسكن الفرح قلبها, حيث كانت في شدة الفخر وقمة السرور والتباهي بذريتها وأبنائها الثلاثة خاصة حسين -الذي لاحظ عليه كثيرون النباهة الفطرية والطموح – إضافة إلى فهيمة.. أجمل بنات الحارة

في طفولتها, كانت فهيمة لعبةً جميلة تتخاطفها الأيدي لشدة عذوبتها و جمالها..وفي صباها الوردي لم تكن أي من فتيات الحارة تفوقها جمالاً وجاذبية. بياض بشرتها يضاهي الثلج في لونه..وردية الخدين..صاحبة شعر أحمر طويل كثيف...عينان نجلاوان يسحرك لونهما الأخضر ..شفاه غليظة..قد رشيق...قسمات رقيقة دقيقة...هالة بيضاء تحيط بوجهها الفاتن لولا أنها لم تكتسب تلك الروح المرحة البريئة التي تميزت بها أمها وباقي أشقائها..خاصة حمدان آخر العنقود, لكنها كانت هادئة الطباع وذات طموح, ترى أنها تستحق معاملة أفضل.. لأنها ببساطة الأجمل

كانت لديها أحلام تكاد لا تعد و لا تحصى, وكان أفضل وأطيب حلم بالنسبة إليها هو أن تصبح أميرة النساء, ست الأميرات, أسعد وأشهر امرأة فى العالم بأكمله, وأن تكون محط الأنظار والاهتمام أينما حلت

لكن الحلو لا يكتمل كما يقولون

لم تكمل هي وحمدان تعليمهما في المدرسة الابتدائية.. فقد كانت الدراسة لا تستهويها ولم تكن المعرفة من أولوياتها.. فاختارت ترك مقاعد الدراسة والمكوث في البيت بجوار أمها.. تساعدها وتعلم على يديها فنون وأسرار الطهي.. في حين أجبر عسر القراءة وتواضع القدرة على الاستيعاب حمدان على أن يتسرب هو الآخر من التعليم.. وهو الخبر الذي لم يضايقه البتة, فقد كانت دنياه الواسعة هي الحارة وظلال تكعيبة العنب وأشجار التوت.. في الوقت الذي ظهرت فيه علامات النجابة والنبوغ على أخيهما الأكبر حسين الذي شق طريقه الدراسي بثبات حتى أصبح طالباً مجتهداً في كلية الطب وكانت أيامها فهيمة تقترب من ربيعها الرابع عشر وحمدان في سن الثامنة

وكان الأب, رضوان أفندي, تاجر حرير في الحارة. مفارقة مضحكة أن يبيع الحرير شخص خشن فظ

كل من رآه كان يخشاه لجرأته و حدة طباعه كأنه فتوة.. يلفت الانتباه بصوته الجهوري المرتفع و قسوة تعامله مع أفراد عائلته... حتى أن البعض كان يردد أنه رأى الست سنية و هي تبكى بهدوء أو تشكو لأي من جاراتها الكثيرات فى الحارة فيشفقن عليها, فيما تحكى كل منهن عن كرم ونبل زوجها أو يواسينها بالقول إن هناك "عملاً" من أعمال السحر أصاب رضوان أفندي .. فتندب الست سنية حظها العاثر ..وتبخر رضوان أفندي أحياناً مع أنها كانت تعلم أنه لا أمل في تغير طباعه الشرسة


على إيقاع الرتابة تستمر الأسرة على هذه الحالة المزرية حتى تقع المفاجأة التي لم يحسب لها أي من أفرادها حساباً.. إذ يقرر حسين الرحيل إلى انجلترا بغرض العمل هناك كطبيب

انفطر قلب الأم لدى سماعها هذا القرار .. وانتابها شعور بأن هناك بالفعل من دبر "عملاً" من أعمال السحر لأسرتها, فأخذت تقول باكية لحسين:

- لا تسافر يا حبيبي .. ابق معنا.. أحتاجك بشدة يا بني
- لن تطول الغيبة يا أم حسين وسأعود إليكم بمال وفير
- لا يهم المال يا حبة عيني , أبوك حماه الله , يوفر لنا كل شيء

لكن الطائر يصر على ترك القفص والتحليق بعيداً.. بعيداً

وهاهو حسين يترك حارته ووطنه بأكمله بعد أسبوع من هذا الحديث المؤلم ...فلا تتوقف الأم عن البكاء والولولة..حتى ينهرها بحدة رضوان أفندي:

- لا تبكي يا أم حسين .. ما هذا الحزن المقيم ؟

فترد الست سنية وسط دموعها الكثيفة بالاعتذار قبل أن تتشاغل عن حزنها بسؤال آخر :

- هل تود أن أعد لك الطعام؟

وتستمر الست سنية على هذا الموقف الضعيف, حيث لم يبق لديها في المنزل إلا فتاة وصبى صغير, وزوجها المتسلط الذي يحكم عليها بالتعاسة, فتبكي كل يوم من شدة الألم وتحثها فهيمة على أن تتجمل بالصبر قائلة:

- غداً يعود إليك حسين سالماً غانماً يا أم حسين.. فلا تحزني

أو تقول:

- تذكري قوله عز وجل فى سورة الشرح "إن مع العسر يسرا"... فهناك يسر سيأتيك و يملأ عليك حياتك بعد رحيل حسين. ما عليك فعله هو أن تبتهلي إلى الله من قلبك أن يعيد إليك حسين سالماً ..إن الله يستجيب لدعاء الطاهرات مثلك !

وتمر ثلاث سنوات عصيبة دون رجوع حسين أو أي خبر منه و لا عنه. ويخفف خبر آخر من أحزانها ويداوي بعض معاناتها, حيث يتقدم عريس للزواج من ابنتها فهيمة الجميلة... مدرس لمادة التاريخ, في الثلاثين من عمره يدعى عبد ربه ثابت, ميسور الحال, كانت تعرف الست سنية والدته وترى أنهم أشخاص طيبون و نبلاء

ولكن ها هى فهيمة ترفضه بشدة فتقول لها أمها في محاولة يائسة لإقناعها بقبوله:

- لماذا يا ابنتي.. إنه عريس "لقطة"

- لكنه قصير القامة بشكل واضح ثم إن مظهره ليس جيداً..وأعلم أنه لا يستحقني لأسباب كثيرة

ترفض فهيمة أول عريس لها ..ثم تحتج على الثاني: جمعة الجزار.. الرجل الميسور الذي يمنح بطون أهالي الحارة لحظات من الشبع

ويتوافد كثيرون على المنزل لخطبتها: التاجر والعامل و البائع والصعلوك... لكن دائرة الرفض عندها لا تتوقف كأنها عربة من الشكوى والتذمر

ويزداد جمال فهيمة يوماً بعد يوم .. ولا خبر عن حسين

وكما يزداد جمال فهيمة.. يزداد قلق عائلة المنياوي على ابنهم الذي طال غيابه ولا خبر يطمئنهم عليه

أكان من الضروري أن تسافر يا حسين ؟

فقط لو كنت تعرف ما جزاء سفرك, لم تكن لتفكر في رحلة الاغتراب!

6 comments:

Eman Yasser said...

ألف مبروك يا أديبتي الصغيرة

لقد سعدت بما قرأت وأتوق إلى قراءة المزيد

أتمنى لك كل التوفيق

ماما هالة شوقي

RAT said...

مبروك يا ايمان
سأتابعك بانتظام، ربما المثابرة ستساعدك على تحقيق حلمك

Eman Yasser said...

رات:
أنا مبسوطة جداً من تشجيعك.. شكراً لأنك ستتابعين ما أكتبه بانتظام
أحلامي كبيرة جداً.. ونفسي أكون أديبة وعارفة أن هذا يحتاج إلى القراءة وبذل جهد كبير
شكراً لك مرة ثانية

tota said...

الرقيقة ايمان

من الصورة فى البروفايل خمنت سنك انك لم تتعدى الاثنى او الثلاث عشر عاما
لكن بعد قراءة القصة ايقنت انك تعديت الثلاثين فكرا
فمتمكنة من الكتابة ومنطلقة فى الاحداث حتى انى لم اترك القصة الا وعند نهاية الكلمات
قد تفوت عليك بعض النقاط فى الحارة الا انك ما زالت فى محاولة سعى مستمرة للمعرفة والتعلم
سعيدة جدا بالمدونة الصغيرة

وحقا جين ورثتيه فامتعينا به

تحياتى

Dido's^^^ said...

إيمان .. أنا مبسوطة قوي عشانك
و متأكدة انك هتوصلي للي انت عايزة .. طالما عندك الارادة دي و عندك أب و أم بيشجعوك كده
أنا لسه مقرتش كتاباتك .. لكن هقرا و أقولك رأي قريب

You Take Care :):)

Yasser_best said...

Tota:

أنا مقتنعة جداً بكلامك وأنا بعد ما قريت شوية كتب عرفت أن الحارة فعلاً لا يكون فيها أشجار فواكه أو كده.. لكن دي كانت أول محاولة كتابة لي.. معلش.. إن شاء الله أكيد سأهتم بالملاحظات التي كتبت لي عنها في المرات القادمة
وشكراً لأنك اهتممت بالقصة ودققت فيها
أشكرك بجد


dido's:

يسعدني طبعاً كلامك الطيب والرقيق.. وأتمنى أني أسمع رأيك في الكتابة التي كتبتها.. كل الملاحظات تفيدني خاصة من كل إنسان يهتم بمشروعات القصص والروايات التي أكتبها
شكراً لك